تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
مدلولها من قوى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » .
هامش
( 1 ) قلت : قال ابن دحية : النبي : يهمز ولا يهمز ، فالنبي بلا همزة معناه : الرّفيع الشّأن ، العالي الأمر ، أخذ من النّباوة : وهي ما ارتفع من الأرض ، ومن جعله من النبأ بهمزة ؛ لأنه ينبئ عن اللّه تعالى ، أي : يخبر ، فهو منبّئ ، أو لأنه تنبّأ هو بالوحي ، وقد همزه نافع في جميع القرآن ، وقراءة أهل المدينة تثبت فيه الهمزة ، وترك همزة على التخفيف ، فمن جعل التخفيف فيه لازما ، وهو قراءة الأكثرين قال في جمعه : أنبياء ، مثل تقيّ وأتقياء ، ووصيّ وأوصياء . قال النحوي : العالم أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل في كتاب « الاشتقاق » له : وسمعت عليّ بن سليمان يقول : الأولى في العربية في « نبي » ترك الهمز ، ويدل على ذلك القرآن ، وذلك قوله عز وجلّ :ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ[ آل عمران : 112 ] ، فهذا جمع غير مهموز ، كما يقال : صفيّ وأصفياء ، ولو كان مهموزا لقلت في جمعها : نبآء ، كما تقول : كرماء في جمع كريم . ولم يأت القرآن الكريم بنبآء ، وإنما جاء في شعر عباس بن مرداس . وقيل : النبي « الطريق » سمّي بذلك لأنه « الطريق » إلى اللّه ، وسمي رسل اللّه أنبياء لأنهم « الطرق » إلى اللّه ، إلا أن كل رسول نبي ، وليس كل نبي رسولا لأن الرسول هو المرسل للأمة من قبل اللّه عز وجل ، داعيا إليه ، وصادعا بالدلالة عليه ، ومرشدا إلى كلّيات المصالح العامة التي يستقيم بها نظام الدنيا ، وينال الفوز الأكبر في العقبى ، ناسخا بشرعته لشرعة من تقدمه من الرسل صلوات اللّه عليهم أجمعين ، وهو مخاطب من اللّه جلّ جلاله ، ومخبر عنه إما بوساطة الملك كفاحا ، وإما من وراء حجاب صراحا ، وهو سماع الكلام القديم كما سمعه موسى صلّى اللّه عليه وسلّم بنص القرآن العظيم ، ونبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بنص الحديث الكريم . والوحي على ضروب : فمنه هذا ، ثم وحي رسالة بواسطة ملك ، ووحي تلقّ بالقلب كما ذكر عن داود عليه السّلام ، والرسول يعمّ البشر والملائكة ، والنبي يخصّ البشر ، وقد جاء بذلك القرآن العظيم . وأما النبي فهو المبلّغ عن اللّه عزّ وجلّ للأمة التي هو من جملة شيعة رسولها ، واتّباعه ما يؤمر بتبليغه إليها من بشارة ونذارة إما بإلهام ، أو منام ، أو مخاطبة بعض الملائكة الكرام عليهم السلام ، وليس له نسخ شيء من شرعة من تقدمه . وأما قوله جل من قائل :مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ[ الفتح : 29 ] . وكذلك :وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ[ آل عمران : 144 ] . وكذلك :ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ[ الأحزاب : 40 ] . وقول عيسى :وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ[ الصف : 6 ] .وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ[ محمد : 2 ] . فإنما أراد جلّ وعلا تعريفه بالاسم ليعلم من جحده أن أمره وكتابه هو الحق ، ولأنهم لم يعرفوه إلا بمحمد ولو لم يسمه لم يعلم اسمه من الكتاب العزيز ، مع أن اسمه مشتقّ من اسم اللّه عز وجلّ . لم يواجهه في القرآن العظيم باسمه ؛ بل ناداه فيه بالنبوة والرسالة . وناداه باللطف :يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ[ المزمل : 1 ] .
رسائل ابن سبعين — صفحة 128 | ابن سبعين / أحمد فريد المزيدي