التحكيم : هو تقديم المحكوم عليه للحاكم على جملة تصرفه ، وإذعانه له ، ورعاية حدوده من غير تعد ، ونقول : التحكيم هو أن يملّك المحكوم عليه نفسه ، وجملته للحاكم حتى لا تظهر عليه صفة إلا بأمر الحاكم ويمنع غير ذلك .
والشارع : هو المخترع للشريعة الموضوعة ؛ ليسلك عليها من معه ، ومن بعده لرضوان اللّه .
أو نقول : الشارع هو المشرع للشريعة : أي للطريقة التي يمشى ويسلك عليها للمقصود المطلوب بأيسر تكلف ، كما تقول : شرع فلان إلى الماء طريقة سهلة ، بمعنى فتحها وسهلها ، وقصد بها الجهة القريبة المبلغة في الوقت القريب ، والشارع المذكور هنا :
هو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والشريعة : طريقته ومنهجه وموضوعه الذي وضعه ليمشي عليه أتباعه ؛ لرضوان اللّه ولسعادتهم المطلوبة .
والخير : هو المطلوب المحبوب لكل حي حادث يتحرك بالشوق والإرادة ، وهو ينقسم إلى : ذاتي وعرضي ؛ فالعرضي : هو في الأشياء التي هو فيها بالاتفاق والمصادفة ، كسقوط حجر على ذي جرح وبطه له ، وأداء ذلك إلى برئه ، والذاتي : هو في الأشياء التي هو فيها بالذات ، ولا يحتاج فيها إلى غيرها ، ولا يفقد منها في وقت ولا بوجه .
مثال ذلك : السعادة في العلم والهداية ورضوان اللّه والطاعة والسمع ، وما يتضمنه القدر من الخير المحض ، وهذا ذكره سيدنا رضي اللّه عنه في « الكتاب الكبير » .
ولمّا كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هو ذات العلم النافع ، ومرشد إليه ، يعرف باللّه ودليل الرضوان إليه بوجهه ، ومدلوله بآخر ، وهو ذات الرضوان ، وماهية الهداية ، ولا سبيل إلى السعادة إلا به ، وهو سببها وذاتها بوجه أخر ، وهو الخير المحض ، والخير في طريقه ومنه وعليه ، وكذلك الكمال والرفعة والنعمة الأبدية قال : هو ( الخير بالذات ) ، ووجب أن يقال ويعتقد أنه الخير بالذات ، ولما علم ذلك واعتقد ، وجب أن تدخل النفوس تحت حكمه ، وتخرج عن اختيارها لاختياره ، وتترك آراءها لرأيه ، وتهمل اجتهادها بتقليده ، وتعجز عقولها وتتبع عقله .
وكأن معنى قوله : ( وتحكم الشارع عليه السّلام على جملتك ) ؛ يريد به ذهاب ماهيتك المجموعة من القوى الجسمانية والروحانية والمتوسطة ، واستيلاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على جملتك ، وتجد ما أذهبته منك تأخذ بدله من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وجميع القوى التي خرجت عنها يتصف
رسائل ابن سبعين — صفحة 127
مساهمون: ابن سبعين
ص١٢٧