تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
الحكمة والمعرفة باللّه والسعادة ؛ وبالجملة ، الصورة المقومة : هي المقولة على وجود الذي بها هو ما هو ، وكأنها كمال أول له ، والمتممة لتبعه من الأمور اللاحقة ، وكأنها له كمال ثان ، ويظهر منها أنها تقال على الأمور الذاتية التي لا يعقل الشيء إلا بها ، وهي له صفة نفس لا يمكن ارتفاعها . فإذا نقول : الحقيقة التي تقيم الإنسان في الصورة المقومة هي وجوده ، وهي الفطرة الأولى ، إذ وجوده هو الأمر اللازم الذي لو قدر ارتفاعه لم يبق من يخبر عنه ، وكونه حضّ على الاتّصاف به تنبيها للسعيد أن يعتمد على حقيقته ، وما قام به من الوجود ، ويلحظ فطرته الأولى ، ويقف عندما أعطاه له القصد القديم ، وما أقامه الحق فيه من النصيب ، ويطالع النظام القديم والتعلق الأول في نصيبه ، إذا ذلك النصيب هو الذي وهبه اللّه تعالى وفيه إقامة . ويلحظ الغيب في الشهادة ، فيشاهد ربه في نصيبه ، ويجده في نفسه ، وفي جملته ، فيجد ذاته عند ربه ومنه وله فيكون مقيما في حضرة الحق فيتأنس أنسا ثابتا ، ويتلذذ لذة جوهرية ، ويكون كماله حاصلا بحسب ذلك ، إذ لا يمكن أن يزاد في وجوده الذي هو عليه ، ولا ينقص منه ، ويتحرر من ذل الكون والطلب ، ويسعد بعدم التخبط والاضطراب ، ويكون هوية مطمئنة في جنة الرضوان والسكينة ، فاعلم ذلك .

وقوله رضي اللّه عنه : ( وتعمل على نيل الآلات التي تعطى الحق بحسب ما تعطيه ، وتقتضيه طبيعة البرهان ) .

الآلة : هي معنى رابط بين الفاعل والمفعول ، فكأنها السبب الموصل للشيء ، غير أنها أشد ضرورة من السبب وألزم ، فإنك تقول : النظر سبب العلم ، وقد يقدر علم بغير نظر ، والآلة سبب الشيء وكأنها شرط ضروري فيه ، كما تقول : المنشار والقيد هي آلة النجار ، والإبرة والخيط آلة الخياط ، وقد تطلق الآلة والسبب بمعنى واحد بوجه ما . فإن قال قائل : قد ذكر في الأسباب الكلام المتقدم ، فكيف يعيده هنا ؟ يقال له : قد يعيده ههنا للتأكيد ولاختلاف المتعلقات ، لأنه ذكر هناك أسباب الكمالات ، وهذه أسباب البرهان ، والبرهان غير الكمال لغة وعقلا ، فيكون اختلاف اللفظ فيها باختلاف المتعلقات ، أو للتأكيد كما ذكرنا ، أو ليكون هذا ألزم من هذا ، وأشد ضرورة كما ذكرت قبل . والحق : هو كشف حقيقة الشيء المحقق ، أو خبر صادق داخل الذهن وخارجه ، أو الحق : حصول حقيقة الشيء من نفس المحقق ، أو ضد الباطل ، أو الحق : ما عيّن المطلوب ،