وحكمة الفيلسوف ليست حكمة ، فإنها تبصر الأغيار ، وتنتقل من أثر إلى أثر ، وفاتها كنز التخلق الذي تحت الجدار ، وكاملها في كدّ الهروب من الكون ، وذل الزيادة الواردة على عقله الفعال ، فليس له استقلال ، ولا لكماله ثبوت ولا قرار ، وهو بالجملة يتخبط في وهم الإضافة ، ونظر الأغيار .
وكذلك الصوفي : فإنه يتلذذ بالمشاهدة ، ويموه بالتوجه ، ويهلكه خبر التوله ويجعل غايته الفناء « 1 » ، وذلك كله يرجع إلى الحاصل الموجود عنده قبل وجود التوجه والاعتقاد ، وبالجملة يقبل الزيادة ، ويجاهد شيطان الإضافة ، ويتعب في جهدها بالإضافة ، ويطلب الخلاص من مكابدة وهم العادة ، وكأنه يحارب الباطل ، ويترك طور شهوده في حق حقيقته ، ويترك الطور العامل هو العاطي ، ويجد الفصل هو الطالع من القضايا الوجودية والآفل .
وجوهره مع ذلك كله يخبر بالرفيع والنازل ، ولسان حاله بوجود الغيرية والإضافة قائل ، وللصورة المتممة المذكورة قبل غير قائل ، فاعلم ذلك ، واعمل على تحصيل القسم الأول بالحكمة الأولى ؛ فهي عين الخبر ، والصبر على الثبوت فيها بمدافعة غيرها من محله سر الأثر .
وقوله رضي اللّه عنه : ( وبالحقيقة التي تقيمه في الصورة المقومة )
. والصورة المقومة : هي التي قامت منها ماهية الشيء وكأنها الشيء المقول على جملته ، كما تقول : ما هي الصورة المقومة للجسم ؟ تقول : الجواهر الملتئمة بعضها مع بعض .
والمتممة : الأعراض المحمولة عليه ، أو تقول : ما هي صورة المقومة للسرير ؟ نقول :
الخشب والفاعل ، وكونه موضوعا على قوائم المربع ، والمتممة : على الرقاد عليه ؛ وهي بهذا الوجه تقال على العلل الثلاث ، والرابعة هي المتممة .
وإذا قلنا : إن الصورة هي التي بها هو الشيء ما هو ؛ فنقول : صورة الجسم المقومة له :
هي الجواهر والأعراض ، أو نقول : ما الصورة المقومة للإسلام ؟ نقول : الدعائم الخمس والثمانية أعمال على قوله ، وصورته المتممة : هي السعادة التي تحصل به .
أو تقول : ما الصورة المقومة للإنسان ؟ نقول : الحياة والنطق ، والمتممة : ما يحصل من
هامش
( 1 ) قال سيدي محمد وفا رضي اللّه عنه وعنّا به : الفناء هو اضمحلال كل متعرض متوهم لا ينتهي إلى غاية محقّقة ، وحقيقته : صدق العدم الذاتي على كل موجود بالعرض في المجاز ، وغايته : صادق من العلم يمحق كل كاذب من الوهم وهو الهلاك الحقيقي .