قيدها ودلّ ذلك على أن الحكمة من الأسماء المشتركة ، وأن منها ما يفيد الصورة المتممة ، ومنها دون ذلك ، ولذلك قيدها بقوله : التي تفيد الصورة المتممة ، فإنه قد يطلق الحكيم في العرف على الذي يدبر الأمراض الجسمانية ، وهو الطبيب الذي يحفظ صحة البدن ، ولا يفيد الصورة المذكورة ، لكن كان له من الحكمة اشتراك ، وهو العلم بأخلاط الجسم ، والخاص بمضاره ومنافعه .
وكذلك الفيلسوف الإلهي هو الذي جمع أقسام الفلسفة الأربعة ، يطلق عليه حكيما ويسمى بالحكيم ، ولكن ليس هو الذي أشار إليه سيدنا رضي اللّه عنه هنا ، إذ حكمته عندنا لا تفيد الصورة المتممة على التحقيق ، وإن كان رسم الحكمة عنده معرفة الأشياء حسبما تعطيه ، وتقضيه طبيعة البرهان ، أو معرفة الأمور الإلهية والإنسانية ، والاعتناء بالموت ، أو المعرفة باللّه على قدرة طاقة الإنسان كما رسمها سيدنا رضي اللّه عنه في مذهبهم في « البد » ؛ فإنه لا يفيد ذلك على الوجه الذي يريده المحقق ؛ لأنه عرف اللّه على قدر طاقة الإنسان ، والإنسان ممكن الوجود ، والممكن الوجود لا يعرف الواجب الوجود على حقيقته ، إذ هو عاجز من كل الجهات ، وقد تقدم قصور الفيلسوف ، وعجزه عن الحق في الكلام على الكمالات ، فانظره هناك .
ودل من الكلام أنه لم يرد الحكمة التي يشير إليها الصوفي التي هي المشاهدة الحاصلة للنفس بالتوجه للّه ، والتضرع له ، والتعرض لنفحات فيضه ؛ لأن ذلك كله يعطي الإضافة ويشعر بالنقص في جوهر الإنسان ، والصورة حدها هي التي بها الشيء ما هو .
وقوله : ( المتممة ) يدل على أنه أراد تمام جوهر الإنسان بالحكمة ، فتحصل الصورة التي لا يمكن فيها الزيادة والنقصان ، ولا يكون ذلك إلا إذا وجد السعيد جوهره هو كل شيء ، والأشياء المختلفة فيه الشيء واحد متفق من كل الجهات ، ولا ضدّ عنده ، ولا خلاف ، ولا غيره ، فلا نقص يهرب منه ، ولا كمال يرحل إليه ، ويكون خبره ذات مخبره ، وعينه ذات آنيته .
وهذا هو الجوهر السعيد ، لأنه في نعيم غير زائد عليه ، وبقاء غير ذاتي طبيعي له ، وهو في حرم وحدته آمنا من طلب الزيادة وخوف النقصان . فصورته المتممة : هي صورة الوجود من حيث هو مطلق ، والحكمة التي تفيد هذه الصورة المتممة : هي الحكمة التي تصرف الأشياء إلى شيء واحد ، وتحيل العدد إلى الواحد ، وتعين حقيقة اسم الصمد في ذات كل واحد وموحّد وموحّد ، وترد الممكن واجبا ، وتقلب الموجب سالبا ، حتى يبصر الحكيم خبر الأعداد والإضافة لم يزل قبل ذهابه ذاهبا ، فاعلم ذلك .
رسائل ابن سبعين — صفحة 123
مساهمون: ابن سبعين
ص١٢٣