تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
التصريف هو المتجوهر بمدلول الإمكانات الإلهية على التمام ، وهذا الذي يذكر اللّه من صفة نفسه ، ويجده في جملته ، ويبصره في أحواله كلها ، وفي الكون المطلق ، وفي بصره الذي يبصر به كما تقدم . وإذا صح بما ذكرنا أن الممكن لا شيء له ، ولا ذات إلا مستعارة من الواجب ، وهي بالجملة لا تفارق الواجب الذي هي منه وبه وعنده ، فإذا لا ممكن على الحقيقة إلا متوهم ، أو خبر ، لا مخبر له خارج الذهن ، فإذا القضايا كلها واجبة ، فكل قضية يجب على البصير أن يتصف بها ، كما وقعت وكما يجب على ما يجب في الوقت الذي يجب ، إذا هي واجبة لا محيص ، ولا انفكاك لها عن ذلك كله لأنها وجود واجب ، وهذا معنى قوله رضي اللّه عنه : وبما يجب كما يجب في الوقت الذي يجب .

وقوله رضي اللّه عنه : ( والاتصاف بالحكمة التي تفيد الصورة المتممة للسعيد )

. الاتصاف : هو قيام الصفة بالمتصف حتى تصير له معنى ووصفا لازما بها يوصف وينعت بها ، كما تقول : « فلان العالم » إذا اشتهر بالعلم وصار له نعتا أشير إليه به ، أعني : بصفة العلم ، وكما تقول : حاتم الكريم ، فصار يكنى بالكرم ، وينعت به لكونه صار له وصفا لازما ، وكذلك تقول : فلان الشجاع ، وما أشبه ذلك . والحكمة في اللغة : هي العلم والعدل ، كما رسمها سيدنا رضي اللّه عنه في الكلام على أنواع الحكمة ، وفي « الرسالة الإصبعية » قال : إنها العلم والعدل ، وزاد : وضع الشيء في محله ، والحكمة في الشرع : هي السنّة لقوله تعالى :
وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ
[ الأحزاب : 34 ] . والحكمة : الفهم عن اللّه ، لقوله تعالى :
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ
[ البقرة : 269 ] ؛ معناه الفهم عنه . وهذا ذكره سيدنا رضي اللّه عنه في رسالة « الكلام على الحكمة » ، وفي « الرسالة الفقيرية » ، وإذا نظرت معناها يرجع إلى اشتقاقها في اللغة ، فإن العلم والعدل هو معقول السنّة والإيمان والعمل الصالح ، والعلم : هو الفهم عن اللّه فقوله : والاتصاف بالحكمة . أراد بذلك أن تظهر الحكمة على العبد وتستجيب في سيرته ، وتعلم من سريرته حتى يسمى بها حكيما ؛ لقوة ظهورها عليه بالعلم والعمل « 1 » .

وقوله رضي اللّه عنه : التي تفيد الصورة المتممة للسعيد

.
هامش
( 1 ) قال سيدي علي وفا : الحكمة ما فيه وبه صلاح النظام وكمال القوام في كل مقام بحسبه .