يكن قبل ذلك كذلك ولا بعده ، هذا في حق اللّه تعالى محال .
وإنما معنى الحديث : إذا أحببته جعلت له فهما يعلم أني سمعه وبصره ويده ورجله ، وأني كذلك كنت قبل ذلك بالإلزام الذي ذكرنا ، ولمّا كانت المحبة نورا يبصر به نعوت المحبوب وصفاته وذاته كان العبد عند وجودها أبصر قرب الحق منه ، وكونه معه ، فصار التقديم والتأخير للفهم الذي يوجد عند العبد فيعلم قرب الحق ، واستحقاقه له .
فتنبيه العبد الممكن على التجوهر بالواجب ، معناه : أن يعلم أنه متجوهر بالواجب من صفة نفسه ، وأن الحق مقوم لوجوده ، ومتمم له ، وأنه معه على ما هو عليه في كل الأحوال ، فنبهك أن تعلم ذلك ، فافهم .
وقوله رضي اللّه عنه : ( وبما يجب كما يجب على ما يجب في الوقت الذي يجب )
. أشار بذلك للآداب ، والتصريف الموزون ، ووضع الشيء في محله ، ولما يبق في الكلام المتقدم أن العبد في حضرة ربه ، وبين يديه ، وأنه بعينه ، ولا يفارقه ، فنبه ألا يتصرف في تلك الحضرة إلا بما يجب ، ومما يجب للعبد ألا يذكر غير ربه ، وهو بحضرته ، وألا يطلب شيئا من غيره ، وهو مقيم عنده ، وألا ينسب وجوده لغير حقه ، وهو به وله ، وألا يطلب نعمة من غير اللّه ، وهو بعين اللّه ، فيكون ذلك من وضع الشيء في غير محله ، وطلب الشيء من غير مالكه وفاعله ، وأن ينسب وجود الممكن للواجب فيكون من وضع الشيء في محله ، وألا يذكر أحدا إلا اللّه الذي هو ذاكره بالإمداد والتجديد وإعطاء الماهية فيكون من وضع الشيء في محله وفعل ما يجب ، وألا يطلب نعمة من غير اللّه ، فلا نعمة لغيره إلا مستعارة ، ويطلبها من الحق ، فهو المنعم على الإطلاق ، ويكون ذلك من فعل ما يجب ووضع الشيء في محله .
أولا يطلب نعمة إذ نعمة اللّه قائمة به لئلا يغيب عن الحاضر ، ويجحده بطلب الغائب المتوهم ، ويكون ذلك من فعل ما يجب ، ووضع الشيء في محله ، ولا يبصر وجودا إلا الواجب ، إذ لا وجود لغيره معه ، ويكون ذلك مما يجب ، ووضع الشيء في محله ، وبصره الذي يبصره به الواجب ينسبه للواجب ، فيكون ذلك من وضع الشيء في محله ، وفعل ما يجب .
وإذا كان العبد ينسب الأشياء إلى حقيقتها ، ويضعها في مواطنها ووجودها الذي هي به ماهية ، ويتركها على ما هي ، فقد فعل ما يجب ، كما يجب على ما يجب في الوقت الذي يجب ، لأنه ينظرها في اللّه بوجودها على ما هي عليه في أوقاتها وأحوالها وأمكنتها ، وهذا هو التصريف الموزون ، ووضع الشيء في محله ، وفعل ما يجب ، والمتصرف بهذا