فإذا القدرة هي ذات الكون الممكن ، والقدرة صفة اللّه ، وصفته غير زائدة على ذاته ، فاللّه هو ذات كل ممكن ، ووجوده بالوجه الذي ذكرناه ، ومن حيث أنه إذا قدر ارتفاعه ارتفع وجود كل شيء ، فاعلم ذلك ونزّه واعتقد الإفراد المحض مع قوة الملازمة .
فكأنه قال : لا وجود لك ، ولا حقيقة ، ولا ماهية ، ولا حال إلا باللّه ، واللّه هو أصل وجودك وأحوالك ، وهو الظاهر في ظهورك ، والباطن في أسرارك ، وهو الكل من حيث استحقاق الفاعل للفعل فتجوهر به ، بمعنى أبصره أنه هو الغالب على ماهيتك ؛ بل هو ماهيتك كما ذكرنا ، وهو الموجود في نعوتك كلها والسميع في سمعك ، والبصير الذي يبصر ببصرك ، ويبطش بيدك ويسعى برجلك ؛ فتجوهر به ، بمعنى أنك لا تعول إلا عليه ، ولا تنادم إلا له ، ولا تبصر إلا وجوده ، فإنه أقرب إليك من وجودك لك « 1 » .
فافهم ذلك من حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حاكيا عن اللّه : « إذا أحببته كنت سمعه وبصره ويده ورجله » « 2 » .
معناه : إذا أحببته ، والضمير فيه عائد على فهم العبد وعمله بذلك .
وأمّا من حيث الحق تعالى ، فهو سمع كل شيء وبصره وجملته قبل وجودك ذلك ومعه ، ولا يتنوع الأمر من حيث اللّه تعالى . ولا يمكن أن يكون في وقت سمع العبد وبصره ، ولم
هامش
( 1 ) قال سيدي محمد وفا في الشعائر : التمكين : رسوخ القدم في حضرات الفعل .
( 2 ) رواه الحكيم الترمذي في النوادر ( 1 / 265 ) ، وذكره ابن حجر في فتح الباري ( 11 / 344 ) ، وأصله في البخاري .
قال سيدي علي وفا قدس سره : لقد تحول الرب الحق لقوم في صورة جمادية ، وقوم في صورة نباتية ، وقوم في صورة حيوانية ، وقوم في صورة عنصرية ، فإذا تحول لك في صورة إنسانية فاحمده على ما فضّلك ، بأن تحول لك في صورة أحسن تقويم ، وشاهد المثل الذي ليس كهو شيء في عوالم كيانك ، فافهم .
جاء في الحديث : « فإذا أحببته كنت هو » .
وفي رواية : « كنت لسانه وسمعه وبصره ويده ورجله وفؤاده » ، فإذا جالسته جالست من كأنه ، وإذا خاطبك خاطبك من هو لسانه ، وقس على هذا .
وقال سيدي علي وفا أيضا : إذا ظهر الوجود الروحاني بحكمه الإلهي في عينه الروحاني ؛ فتلك روح إلهي ، وقس على هذا ، فمن روحه المتعلق بمثاله الجسماني إلهي ؛ فهو المقول فيه : « كنت سمعه وبصره » ، وسائر قواه بحسب كمال الظهور والتعلق ، فإن كان هو في شهوده ذلك الروح لا المثال الجسماني فهو المقول فيه : « فإذا أحببته كنته » .
وذلك المثال هو المقول فيه : « خلق اللّه آدم على صورته » ، وهو حجاب عزّته على مدارك تنزيهه عن ذلك ، ولكل مقام مقال ، ولكل مجال رجال . وانظر : المسامع ( 398 ) بتحقيقنا .