تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن سبعين — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
وكما تقول : تجوهر فلان بالخمر ، بمعنى أنه لا يصحو منه ، وقد حده سيدنا رضي اللّه عنه في « النتيجة » ، فقال : التجوهر هو أن يكون المتجوهر في الشيء بعموم ماهيته ، والدال : هو الناصب للدليل ، والدليل : هو الحامل للمطلوب المستدل عليه ، والمدلول : هو المطلوب بالدليل ، والإمكان : هو الجواز الذي يحكم بنفي الشيء أو إثباته حكما واحدا على التساوي ، كما نقول في قضية جائزة إذا قدرت وقوعها ، وهي من حكم الجائزات يمكن أن يكون ممكن بمعنى يجوز ، ويمكن ألا يكون . وبالجملة : الممكن هو الجائز ، والإمكان هو الجواز ، وهو متوسط بين الواجب والمستحيل ، فالواجب : هو الذي يلزم من فرض عدمه محال ، والمستحيل : هو الذي يلزم من فرض وجوده محال ، والممكن : هو الذي يجوز وجوده ويجوز عدمه ، وفي قضية الإمكان كان العالم قبل وجوده ، وفيها هو الآن في بقائه ، وتجديد إيجاده . وبالجملة : كل فعل يفعله الحق تعالى ، وكل ما فعل هو في الإمكان ، والإمكان : هو حقيقة العالم بأسره . ولمّا كان الممكن لا يقع بنفسه لكونه لا يترجح أحد طرفيه على صاحبه ، فوقوعه يدل من صفة نفسه على الفاعل المختار ، ولمّا كانت المفعولات أنواعا كثيرة ، وكل نوع من مخلوقات اللّه تعالى له من الإمكان قضية تخصه سماها إمكانات بحسب الإمكان المقدر في مخلوق مخلوق ، والإمكان من حيث هو هو واحد في حكم العقل ، ويتعدد بحسب حكمه في مخلوق مخلوق فتسمى إمكانات . كما تقول : أعوذ بكلمات اللّه التامات ، وكلمة اللّه من حيث هي كلمة واحدة ، وتتعدد بحسب أثرها في المخلوقات المتعددة ، وكذلك القول في الإمكانات : هي كثيرة بالنظر إلى تعدد الممكنات ، والإمكان واحد من حيث معقوله المطلق ، فلمّا كانت الإمكانات تدل بذاتها على الفاعل الذي يخصص ممكنا بدل ممكن ، والفاعل واجب الوجود ، ولا يظهر ممكن إلا بقدرته ومشيئته وعلمه وحكمه وأمره ، فكل ما يقع في الممكن يدل بطبعه على صفات الحق تعالى ، وعلى وجود ذاته ، ووجودها ، وعلى قيامه بذاتها ، إذ كل ما يقع في الممكن هو صادر عن ذاته ، فمدلول الإمكانات هو اللّه تعالى وصفاته . وقوله رضي اللّه عنه : « الإلهية » الضمير يعود على اللّه ، وصفاته لا على الإمكانات ، وكونه حضّ على التجوهر بذلك ، معناه إن لا تعقل لذاتك وجودا إلا بصفات اللّه المقومة لوجودك والمتممة له ، والتي لا حقيقة لك إلا بها ، كما تقول : لا وجود للممكن إلا بقدرة اللّه ، والقدرة شرط ضروري في وجوده ، وما هو ضرورة الشيء فهو الشيء .