وأسباب الكمال عند الصوفية هي على أنحاء : فإن الصوفي يأخذ مقدماته الأول من الفقيه في الأعمال الشرعية ، ومن الأشعري في الاعتقاد العقلي ، ويركب على ذلك التوجه والمجاهدة والتوكل والتسليم والتفويض والرضى ، وهذا سبب الكمال عند بعضهم .
ونقول أيضا : سبب الكمال عند الصوفية : التخلي عن غير اللّه والتحلي بصفات اللّه ، والتجلي ثمرة ذلك كله .
ونقول أيضا : سبب الكمالات : الصدق والإخلاص ، واستصحاب الحال ، وثبوت القدم ، والتجرد المحض ، والتخلق الكلي .
ونقول أيضا : سبب الكمال على أي نوع كان لا يكون في العبد من حيث هو وعقله ونفسه وجملته عاجزة عن استجلاب الخير وتحصيله ، وعن التوجه بالجملة .
فإذا رأينا ذلك وثبت في الرجل حكم ذلك ؛ علمنا أنه من عند اللّه ، وإن السبب في ذلك قدرته وإرادته وحكمه وأمره .
فصفات الحق هي سبب الكمال « 1 » ، وأصل في وجوده وصفاته غير زائدة على ذاته ، فذاته سبب الكمال ، فهو المتقدم على توجه المتوجه ، وهو الموجود في نفس التوجه من حيث استحقاق الفاعل لفعله ، وهو الموجود عند الفتح والوصول ، وهذا معنى قول سيدنا رضي اللّه عنه في « الرسالة الفقيرية » : هو المطلوب وبه يطلب ، ومنه الطالب ، وله ومنه وعنه الكل ، فاعلم ذلك .
وأسباب الكمال عند المحقق الأول زمان حائل ، ومكان آفل ، ومضاف زائل ، وطالب نائل ، وخبير خبره ذات مخبره ، وعليم علمه عين معلومه ، وحصر ممتد ، وقضية تجدد وفرع هو ذات أصله ، ونوع لا عموم لجنسه .
قوله رضي اللّه عنه : والتجوهر بمدلول الإمكانات الإلهية
. التجوهر بالشيء : هو حصوله في ماهية المتجوهر ، مثل الشيء المطبوع الذي لا يمكن زواله ، ولا يقدر فقده ، وكأنه يعود له من صفات الأنفس التي لا انفكاك لها كما تقول :
تجوهر فلان بحب فلان ، بمعنى أنه غلب عليه حبه ، وحكم في طباعه ، وظهر في شمائله ونعوته كلها ، وبه قال بعض الفقراء حيث سئل عن المحبة فقال : هي اتحاد النعوت .
هامش
( 1 ) الكمال : التنزيه عن الصفات وآثارها . أي : عن كل ما يقيد ذات الحق ، وحقيقته فيخرجها عن إطلاقها صفة ، وتجردها عن الاعتبارات ومطلق إبقاؤها على الإطلاق الذاتي ، والذي حكمه مع سائر القيود على السواء ، وذلك هو الكمال الحقيقي ، فافهم .