والحكماء الوصول إليهم ، وهم من حيث مراتبهم لا استقلال لهم ، وأين الناس وأين الحق منهم ؟
وهذا يقول إذا تكلم في عادة الصوفية والحكماء ، وأمّا من حيث هو فلا علم له إلا واحد وهو هو ، فاعلم ذلك .
فقد تبيّن لك بهذا النظر أن الفيلسوف يتوجه من الفعل إلى الفعل ، ويعبد العبد بالعبد ، أو يعبد العبد بالحق بنظر ما ، والصوفي تفوته المقارنة والنسبة ، ويتوجه بالصفة إلى الصفة ، ويخبر عن اللقاء بالوهم ، وحمله على ذلك كله عدم الفهم ؛ لأنه جهل الحق عنده ، وتوهمه أنه وصله بفقده ، ومن حيث وجده فقده ، ومن حيث عينه غيبه ، وأخفاه من حيث أظهره ، وقبضه من حيث بسطه ، والمحقق جماله ترك كماله ، وجماله عين جلاله ، وتوجّهه سكينة في ماهية اعتداله .
والفقيه لا كمال له إنساني ، ولا تجوهر له رحماني ، فإن اعتبرت به كمالا ؛ فإنما تعتبره بالنظر إلى مبدأ مذهبه وغايته ، لا بالنظر إلى تجوهره ، وتجريد ذاته ، وكذلك القول على الأشعري .
فقد تبيّن لك الكلام في الكمالات بحسب المذاهب المعتبرة ، وكيف هي في الفقيه والأشعري ، في القانون لا في الإنسان ، وفي المذاهب لا في الجوهر من ذات الرحمن ، وفي الفيلسوف بجوهر ناقص وإنسان مستند ، وفي الصوفي بحق مضاف ، ورضوان مقيد ، والمحقق كهف الكمالات ، وكنه الإمكانات ، فاعلم ذلك .
وهذا الكلام في الكمالات قد فرغ منه ، فنبدأ بذكر أسبابها .
فنقول أسباب الكمالات عند الفقيه في تحصيل مذهبه : معرفة لسان العرب ، ومعرفة اللغة العربية ، وحفظ الكتاب والسنة ، ومعرفة تاريخ الآيات والأحاديث ، والعلم بالناسخ منها والمنسوخ ، والنظر في المحكم والمتشابه .
وأسباب الكمال بالنظر إلى مذهب الأشعرية : سلامة العقل والفطرة ، والاجتهاد الكلي ، والبحث المسدد ، والمعلم الخبير الناصح .
وأسباب الكمال عند الفيلسوف : تحصيل المطالب الأصلية ، والعلوم المنطقية مثل كتاب :
« إيساغوجي » ، و « المقولات العشر » ، و « باري أرمينياس » ، و « أنالوطيقي » « قاطاغورياس » ، و « المخاطبات الخمس » ، و « الأقيسة التسع » ، وما يتبعها .
وما يتقدم على ذلك من اعتدال المزاج ، وسلامة الفطرة ، وسعادة المولد ، وحسن المعلم ، وما أشبه ذلك ، وما يلحقها من التجرد والرياضة .
رسائل ابن سبعين — صفحة 117
مساهمون: ابن سبعين
ص١١٧