واعلم أن مبادئ المتصوفة في التوجه هي من فوق العقول التي تزعم أنها غايتك ، فإنك تزعم إن كمالك في العقل الفعال ، وأن لا نصيب لك من الكلي إلا العلم به ، والصوفي يجعل الكلي والفعال ، وبالجملة الروحاني والجسماني من تحت قدمه عند توجهه ، وذلك لما أن علمها أنها بجملتها واحدة في قضية الافتقار والانفعال والإمكان ، وأنها متماثلة معه ، أهمل الفعل ، وتوجه إلى الحق بالحق .
فبالوجه الذي أهمل ذاته أهمل الكون كله ، وحيث فني هو فنيت العوالم بأسرها ، فعلومه من الكلمة ، فإن عنده أن الممكن لا وجود له إلا بكلمة الحق ، فينفى عن جملته ، ويثبت بالكلمة ، أو تكون الكلمة ذاته ، والكلمة لا تفارق المتكلم ، فهو لا يفارق الحق .
أو نقول : الكلمة ذات الصوفي وهي صفة اللّه ، وصفته غير زائدة على ذاته ، فالصوفي لا ذات له إلا الحق ، أو تكون ذاته من قبيل الوهم ، أو من قبيل الخبر ، أو من قبيل الأسماء ، فاعلم ذلك .
وقد تبين لك بهذا كله أن الكامل عند الفلاسفة : هو الذي يصل بالجوهر إلى العقل الفعال ، وبالعلم إلى الكلي ، أو يكون في الفعال بالجوهر ، وفي المقصود بالعلم .
وقد ذكر سيدنا رضي اللّه عنه هذا في « نتيجة الحكم » فانظره هناك ، وكذلك ذكر هناك إن الكامل عند الصوفية في الوجه الأول : هو العالم بالمشروع والمعقول بشرط أن يكون نحو الصواب فيهما ، ويغلّب الأحوال على الأقوال ، وكذلك الأفعال ، ويكون ثابتا في سريرته ، ويعلم ذلك من سيرته ، والكامل في الوجه الثاني : هو الذي حصّل مقام الإسلام والإيمان والإحسان بالتجوهر ، ووجد الآنية في خبره ثابتة النسبة ، غير أنها تختلف فيه من جهة الشعور ، ويجد الافتقار إليها .
والكامل يحسب الوجه الثالث : هو الظافر بالوجوه التسعة ، الذي حصّل مفهوم الأسماء في ماهيته ، وحصّل الإحاطة ، ولم يتلاعب ضميره بوهم ، ولا كان من وهم ولا في وهم .
وهذا ذكره سيدنا رضي اللّه عنه في « النتيجة » ، إلا أنه ذكرته أنا لك بالاختصار في وصف القسم الثالث .
والكامل عند أهل الحق فيما ذكر سيدنا رضي اللّه عنه في « النتيجة » : هو الذي لا يسلم الكمال ولا يطلقه ، وإن صح عنده إنما يصح بإهمال هذا الكمال ، وترك هذا الحشو ، والعلم عنده ما يصح من الماهية ، أو هو يرجع إلى إخباره أو قضية راجعة منحطة .
ويقول : أهل العلم العلوي لا يعلمون الصنائع ولا يعرفون السلوك ، وغاية الصوفية
رسائل ابن سبعين — صفحة 116
مساهمون: ابن سبعين
ص١١٦