كأرسطو وغيره فاعلم ذلك كله . وبالجملة هؤلاء يتقربون إلى الله سبحانه بالوحدة المحضة دون الوسائط التي يعتقدها الفيلسوف والرتب العقلية التي يرى أنها ضرورية بينه وبينه وأن بقطعه لها يدرك المرغوب الحق ، وببقائها يفقد الوصول اليه وان الذي يقطعها يصل اليه . وبحسب ما يقطع منها يكون شرفه ، وبقدر قربه منه فيها يكون شرفه ورفعته ، لأنهم لا حقيقة عندهم لموجود إذا انفرد ولا يمكن الانفراد بشيء عن الحق تعالى ولا بالذي يقوله الفيلسوف ولا على الوجه الذي يقوله . وان كان يقول إنه واجب الوجود وبه كل موجود فهو لا ينكر ولا يجحد أن الذوات الروحانية علّامة بالفعل وفعالة بالطبع وان وجودها لازم عن الحق وواجب عنده ، وممكن لها معه في قدمه ، والقدم معا لها وله وفيها صورة كل شيء . وهذا عند الصوفية قبيح وباطل ومما يكذب عند الفيلسوف بأخرى وما يصعد الفيلسوف عليه من الرتب العقلية يرجع إلى الذي يصعد الصوفي عليه . وان كان الفيلسوف لا يعلمه الا بعد بحث ونظر وامتحان فان العوالم كلها عندهم انما هي تحت الافعال وبعد الصفات والذوات لا البعد الزماني والحد المكاني . فلما ظهر لهم ذلك وصح وعلموه وتبين عندهم صعدوا إلى الحق بالافعال ثم بالصفات ثم بالذات . وهذا يلزم كل سعيد يصل إلى حضرة القديم ، وان لم يخبر عن ذلك [ 119 أ ] ويعلمه ويتصوره الا أهل التحقيق ، فإنهم توجهوا إلى ربهم لا بشيء مما سمعت ولا مما علمت وأعلمت . وفي الكلام على المقرب يتبين لك هذا كله إن شاء الله . فصعود الصوفية إلى الله هو الصعود وهو الحق بالإضافة إلى كل عالم صاعد سعيد دون المحقق المقرب الحكيم للسفر . هدانا الله أجمعين كما هداهم وهيأنا بمنه للذي هيأهم . فهذا ما يحتاج اليه من الكلام على العرض الذي يريد المكلف . فنبدأ بذكر العرض الذي يهمل المكلف بحول الله تعالى سبحانه .
بد العارف — صفحة 347
مساهمون: ابن سبعين
ص٣٤٧