الأول . فان النفوس الجزئية ، أعني الناطقة ، مثل النفوس الفلكية في المفارقة والتجرد عن المادة . ولا تسمع أنت مني النفوس الفلكية فتتوهم المكان والزمان فلا زمان هناك ولامكان ولا جهة ولا مادة . وفي موضعه يتبين ما نفوس الأفلاك وعقولها على التمام بحول الله تعالى . فإذا فعلت الفعل الفلكي وخرجت عن علائق المادة وتنزهت عنها وتجردت وعقلت مبدأها سعدت . وهذه [ 112 أ ] النفوس الجزئية تحتاج إلى علوم كثيرة تخلصها إلى مبدئها ولا يمكن أن تعلمه سبحانه وتعالى حتى تقطع ما بينها وبينه من الرتب والمعاني بخلاف العقول الفعالة . فان تلك ما تحتاج إلى نظر فإنها علامة بالفعل وان كان لها مراتب وبعضها فوق بعض فهي لا تحتاج إلى صنائع علمية ولا عملية . وانما هذه الصنائع في النفوس التي في عالم الكون فاعلم ذلك . والقصد الأول لما فعل في العالم الروحاني الخير المحض وكانت السعادة تطلب السعيد من ذاتها . ورأينا السعيد هنا يفعل ما ينبغي كما ينبغي ويتشبه بالنفوس التي أسعدها الله بالقصد الأول ، قلنا هذا بالقصد الأول ومن القصد الأول وحكمنا عليه بالسعادة . فإذا نزلنا مطلب كيف تسعد على هذا الوجه قلنا بالصورة المجردة الأولى ، والفيض الأول والاستعداد لقبوله ، والإعانة الفلكية على تتميم ذلك في عالم الطبيعة ، ومساعدة الاشخاص المركبة ونفوسها لها ، وصلاح الحال في الروحاني والجسماني . وهذا وان كان بعيدا عن جواب كيف ، لا بأول نظر فهو صادق المعنى ، وهو جوابها لا بآخر النظر . ولا شك في أن سعادة السعيد لا يمكن حصولها للسعيد الا بإعانة العالم العلوي الروحاني منه والجسماني . وإعانة عالم الطبيعة الروحاني منه والجسماني ، واجتماع ذلك على ما ينبغي وفي الوقت الذي ينبغي .
وإعانة العوالم المذكورة والقوى المجردة لا حقيقة لها الا من الفيض الأول ، وهي الصورة المقومة لها وللموجودات كلها من المبدع إلى ما دونه ، وهو الفاعل على الجملة إذ هو الواجب الوجود . فاذن كيفية
بد العارف — صفحة 329
مساهمون: ابن سبعين
ص٣٢٩