جدك كما بذلت جدي . وركب سعادتك كما ركبت سعدي وخذ نفسك بالذي أخذها به أهل الحق والمقرب . واخرج عن العالم الذي أنت فيه مع المكذّب والمكذّب .
مبحث كيف تسعد النفس
والذي يسعدها هل بينها وبينه نسبة أو شبه ما .
اعلم يا فيلسوف أن السعيد على الاطلاق بحسب مذهبك هو الذي يعلم جوهر نفسه ويصير عقلا بالفعل ، ويتخلص من كدرات الطبيعة . ويجوز على النفس النباتية والحيوانية والناطقة المشتركة والنفس الحكمية والنفس النبوية ، ويتجرد من جميع العلائق القاطعة له عن سببه الأول ويكمل جوهره على ما يجب [ 111 أ ] ويستقيم معراجه إلى الأول الحق ، ولا تنقطع عنه لذاته ولا يمتنع عنه فرحه وسروره . ولا في وقت من الأوقات ولا يعجز عن شيء يريده ويتمم غيره ويخلص الفطر الناقصة بعلم أجلى وأعلى من العلوم المكتسبة والنظرية والاعمال البدنية .
والتخلق على ما ينبغي . وهذه النفس لا تحتاج في تتميمها وسعادتها إلى غيرها من النفوس الجزئية وجميع النفوس الجزئية محتاجة إليها وآخذة منها وتابعة لها . ثم السعيد عندكم بعد هذا هو الحكيم الذي يعلمها ويعلم عالمها ، ولم يترك من الصنائع العلمية والعملية التي تعطي تدبير الانسان ، الا ما نظر فيها وحصلها واتصف بها ثم حمل نفسه من المشقات التي تحصل باكتساب الصنائع المذكورة بها وبالصبر عليها .
وتمدن وبحث عن حقائق الموجودات ووقف على ماهيتها وفكر في الأول الحق تقدس اسمه وعز وجهه . ونظر في الذي يجب عليه ويجوز ويستحيل وطلب القرب منه والوصول إلى المبدع الأول بالعلم لا بالجوهر . واستقام حتى بلغ إلى كمال الانسانية وخلص العلم بنفسه وعقله إلى حيث ينبغي ولقدر ما ينبغي ، وهذا الانسان هو الذي وقع