وحقيقة المولد مضافة إلى المحرك الأول للجرم الأقصى . والجرم الأقصى يتحرك بنفسه ويعقل بعقله . والذي يحرك الجسم لا يعقل به على مذهب من يقول إن القوة المحركة للجسوم هي التي من شأنها أن يقال لها نفسا .
والشيء الذي حملها على الحركة وشوقها لسببها الأول تعالى هو العقل لأنه المحرك لها لما لم يمكنه عند مشاهدته لسببه الأول الا ان يتحرك لافراط لذته ، ولكونه يفيض على ما سواه مما يفاض عليه . فإنه أقبل للإفادة وادبر للاستفادة والكلام على هذا يطول . وفي الإلهيات الفلسفية يتخلص بحول الله تعالى . وهذا موضع فيه غلط عظيم وشبهة مهلكة ومما نحتاج ان نبين ، تنزه الحق تعالى عن مذهب الفلاسفة . وكذلك المبدع الأول ، أعني العقل الكلي ، حتى لا يبقى لاحد أن يقول إن الحق هو المحرك للجرم الأقصى الا على أنه فاعل الحركة على جهة الملكة لا بالذات والماهية . فان ماهية المحرك للجرم الأقصى فائضة من الحق تعالى .
وكذلك العقل الكلي الذي هو محرك الجرم الأقصى فبين كيف يحرك وما السبب في حركته وما النفس الكلية ان كان هي موجودة أو معدومة أو هي عقول تسعة أو تسمى نفسا بإضافة وعقلا بإضافة وهذا كله في موضعه إن شاء الله تعالى . فنرجع للمولد ما هو فنقول : قد تعلق معناه بالحركة الكلية لأنها السبب في حركة الأفلاك دونها والكواكب ومنها يكون الشرف وغيره والحركة الكلية لا تعقل الا عن سبب موجب من أجله كانت ومتى قدرنا وقوعه وزواله قدرنا زوالها وعدمها وارتفاعها . فإذا المولد متعلق بهذا السبب الأول وكان ما يقع في العالم العلوي هي الاحكام الأول وما يقع في العالم السفلي هي الاحكام الثانية . وللاحكام الأول قصد وللثانية قصد . فالقصد الأول يفعل الخير المحض ويظهر في الروحاني ثم في الأفلاك . والقصد الثاني يفعل الشر والخير في عالم الطبيعة ، والنفوس الجزئية الثلاثة . فمن أسعده الله من النفوس الجزئية الناطقة خلصه إلى عالم الأفلاك ، أعني إلى نسبة من القصد
بد العارف — صفحة 328
مساهمون: ابن سبعين
ص٣٢٨