والبرهان يشهد ان الحق عندي ، وما انا بسبيله هو الذي طلبه الكل ودار عليه وعمل اليه . ومن عدم البصر لا يطلب ضالته بنفسه ويضطر إلى غيره بالضرورة في طلبها . وكذلك القدماء في البحث عن العقول والكلام في سعادة الانسان وماهيتها هي ضالتهم ، ودليلهم فيها النبوة .
اعني في السعادة الحقيقية واما ما هم عليه فهو جلي وبين بنسبة ما وهو بحسب عالمهم . وانما عالم النبوة والذي نشير اليه ونأخذ منه لا يشبه شيئا من ذلك . وفي الكلام عليه تعلم ذلك كله إن شاء الله تعالى . وفي الانسان لذات كثيرة بحسب أفعاله وقواه وطبيعته . فلذة النفس الحيوانية نيل الاعراض المادية كالجماع والاكل والشرب والانتقام من الذي غضبت عليه ، والملبس الحسن . وبالجملة الشيء الذي يوافقها في حال ادراكها له ويطيب لها من غير فكر في عاقبته ومآله . ومن هذه اللذات الحيوانية ما هي في الانسان طبيعية لازمة ، ومنها ما هي غير طبيعية وغير لازمة له .
فالطبيعية هي التي بها يكمل جوهرها ويحفظ جنسها ونوعها كالأكل والشرب والنكاح والنوم عند [ 109 ب ] بعض الحيوان . والغير طبيعية مثل اللباس الرطب والاكل الطيب والنوم على الفرش المنتخبة والنسوة الحسان وركب المركوب . والمغاني هذه ليست بضرورية لوجود الانسانية ولا شرط في حياتها وهي المذمومة عند الحكماء المتمدنين إذ هي مشغلة واعراض مادية وهيولانية ولا على الانسان ان يكمل جوهره ما دام ينهمك في اكتسابها والاشتغال بها بوجه . فما كان منها لضرورة القوت واجبا للمركب فليس بناقص ولا مذموم . وان كان طيبا ولذيذا فلا بأس به إذا كان على ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي ، من غير أن يشتغل عن تدبير النفس ومعارفها . واما إذا اشتغل فخطأ ومذموم عند جميع الحكماء ، وغير صالح ومحرم عند الشرائع ، ومحذور فعله ومما يعاقب عليه . فقد صح يا فيلسوف بصناعتك ان الالتذاذ بالحق لا يمكن ولا يعقل الا في الجوهر الروحاني منك . والروحاني منك انما ( هو ) النفس
بد العارف — صفحة 322
مساهمون: ابن سبعين
ص٣٢٢