المقرب تسمع البرهان بمقدمات أصدق من هذه . [ 107 أ ] وما حملني ان أتكلم على هذا كله الا ضرورة تعظيم مذهبه للمسترشدين وكان هذا الكلام شبيه التوطئة والمدخل له . والله يدخل الجميع في رحمته وينعم علينا بمنّه بجنته .
مبحث إلى اين تصير النفس
اعلم يا فيلسوف ان النفس عندكم إذا فارقت الجسم تصعد حيث انتهى بها عملها . ولذلك عمل جميع الحكماء على طلب العلم وقالوا إن جوهرها لا يكمل الا به ، وهو الذي يبلغها إلى سببها الأول . غير أن منهم من قال لا تصل الا إلى رتبة العقل الفعال .
وعنده يكمل جوهرها وتكون عند العقل الكلي بالعلم . ومنهم من قال تصل إلى رتبة الكلي . ومنهم من قال إلى رتبة النفس الكلية . ومنهم من قال تصل إلى منتهى مقدماتها ، فان كانت الصورة الخيالية غالبة عليها تتخبط بين الحيوانية والناطقة في صورة متوهمة دائمة ، ولا تستطيع على الصعود إلى عالم الأفلاك وتدور حول المركز وإلى ذلك تصل . وان كانت الشهوات المادية غالبة عليها فتصير إلى حيث تصير النفوس الحيوانية .
وبينهم في ذلك خلاف كثير . ووجهوا على ذلك جملة وجوه وقسموها إلى انحاء بحسب جهلها وعلمها . فتارة تدور حول فلك القمر وتخلع الصورة ، وتارة تصعد فوقه وتسعد ، وتارة تتصف على جملة صفات . ومن هذا اخذ أهل التناسخ ، والكلام على استقصاء مذاهبهم يطول وتفصيله لا يصلح إذ لا حاجة فيه . وبالجملة النفس الناطقة عند الجلة منهم ، سعادتها وخلاصها انما هو بحسب العلم ، ولذتها بقدر قربها من الأول الحق ، وعلى قدر علمها يكون حبها له ، وعلى قدر حبها له تتلذذ وتفرح .
وفي اللذة والفرح والسرور كلام طويل نتركه لموضعه بحول الله تعالى .
ولا تعول على كلام أهل العلم الطبيعي في النفس فإنهم عامة الفلاسفة