وكل صورة عقلية لا تفنى . فالنفس لا تفنى . ( برهان آخر ) إذا لحظنا الانسان في حال طفولته لا يعلم ولا يعقل ولا يتصور ثم ينتقل بادراكه ومعارفه حتى يصير عالما وحكيما ونبيا ورسولا . ثم لحظنا ذلك الذي وصل اليه وبه قيل فيه ما قيل كما تقدم في الجسم الطويل العريض العميق فلم يمكن لنا ذلك ولا وجدناه فيه . لأنا لو قلنا إن المعرفة الحاصلة لنا هي عن الجسم لوجب ان تعقل الجسوم وهذا شنيع وأيضا الانسان إذا رقّ جسمه ولطف وصام كان عقله أحسن وحالته على الجملة ارشد واصلح ، ولو كان كما قيل لكان نمو الجسم يفيد العقل . ونحن نجد الذي به السلال يتحلل جسمه . وعقله لم ينقص منه شيء . ولو كان كما قيل لتحلل مع الجسم فصح ان المعرفة ليست للجسم ولا لعرض من اعراضه .
وان قلنا إن ذلك من اجل تركيب النفس والجسم يلزمنا ان القوة النفسانية المحركة للجسم تابعة لمزاجه وغير روحانية والدليل قد تقدم عليها انها روحانية . وها انا نذكر ذلك ويكون فيه برهان على بقائها ووجودها ما هو وجوهرها فنقول : الجسم له ست جهات . وهذه مقدمة موجبة في أوائل العقول وحركته لجهة بدل جهة أخرى بمعنى زائد عليه ، ولا يتمكن ان يتحرك لجائز ما بدل جائز آخر الا من فاعل . والفاعل إذا رأيناه يريد ويختار قلنا فيه انه حي والحي هو الذي يصدر منه [ 104 ب ] الافعال .
والحي موصوف لا صفة ، والموصوف المحدث جوهر فالنفس جوهر حي فاعل مريد . والعرض لا يفعل ولا يتصف ولا يوصف بالحياة ، فيبطل أن تكون المعارف من النفس والجسم . وصح انهما من قبل النفس فقط .
ولا مشاركة للجسم في ذلك غير أنه لها بمنزلة الآلة للصانع ولا يصح وجود التمييز والمعارف من ميت . فوجودها إذا انما هو من حي فالنفس حية بالطبع لأنها بالذات تقبل العلوم ، والجسم بالطبع لا يعلم ولا فيه قبول العلم . فصح بالبرهان ان الموضوع المشار اليه بالانسان مركب من جوهرين أحدهما حي بالطبع وهو النفس والآخر موات وهو الجسم .
بد العارف — صفحة 308
مساهمون: ابن سبعين
ص٣٠٨