المادة والصورة المطبوعة فيها عند فراغ الصانع من وضعها ولا تعد ذلك . ويقال الصناعة هي عمل صورة وثبوتها في المصنوع واقامتها بحسب قبول الموضوع واحتيال الواضع والقصد في ذلك .
ويقال الصناعة موضوعة ومحمولة ولا تنفك عن المحمول الكلي والموضوع الكلي بالقوة والفعل . وهي مخرجة الامكان من نفس الصانع وجاعلة الممكن في المصنوع ، وذلك بقياس واستقراء ما وتقدير ما ، وعلم متقدم وعلم متوسط وعلم متأخر وفعل واجب وفعل لاحق وفعل حافظ . والقوة الصانعة هي اثر النفس الحيوانية بالقصد الأول ، ورتبتها في النفس الحيوانية قبل رتبتها في النفس الناطقة . ولذلك نجد الحيوان غير الناطق له صنعة مثل ما للنحل والعنكبوت وأعشاش [ 89 ب ] الطيور . واما القوة الصانعة التي تقال بالقصد الثاني هي المتأخرة عن جميع القوى الروحانية وهي اثر النفس الناطقة . وهي اثر النفس الناطقة . وانا أضرب لك بهذا مثلا يتبين لك به ذلك كله فنقول : المعلوم الذي يحصل للنفس الناطقة إذا أرادت أن تعلم به غيرها ألفت لها ألفاظا من الحروف المعجمة وجعلتها كالظل والقالب والنوع لتلك المعلومات الحاصلة في نفسها ، وعبرت عنها للحاضرين والسامعين . فإذا أرادت اثبات ما عندها فان الحاصل من الأصوات لا حقيقة له ، وانما هو وجود حركة الشفتين واللسان ، ثم يضمحل وجوده عند نفاذ تلك التي جعلت معاني تلك الالفاظ في موضوعاتها وقيدتها ورسمت تلك الالفاظ التي نطقت بها ، وهذه هي صناعة الكتابة . وقيل لها صناعة لأنها صنعت من الحروف اشكالا بالأقلام وأودعتها وجوه الأوراق والألواح فيبقى عند ذلك مقيدا ، وتبقى الفائدة للمسترشدين وفائدة من الأولين للآخرين . وهكذا الامر في كل صناعة تضمرها النفس وتخرجها بالفعل للوجود خارج الذهن .
وهذه القوة الصانعة تتعلق بالقوة الناطقة وهي متأخرة عنها في الوجود والفضل ، وهي غير متممة للنفس الناطقة المطلقة . وانما تحتاجها النفس
بد العارف — صفحة 272
مساهمون: ابن سبعين
ص٢٧٢