فصل [ علم الإنسان ما لم يعلم ]
وقد لمع من هذه النكتة لمعة باهية وأنا أدلك ما هي .
إعلم أنه لما أدخل اللّه عباده مكتب التعليم ، فتقدم آدم من زمن تقادم ، وطالع لوح الوجود فقرأ
عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ،
وطالع محمد صلى اللّه عليه وسلم لوح الشهود فقيل له يا محمد مالك ولأسماء الخلائق وأنت صفوة الخالق ،
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ،
فلما كتب وأدب وهذب ، قيل يا محمد : قد تعرفت البنا بالأسماء والصفات فتعرف إلينا بالذات
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ
فلما غاب عن الاسم وجد المسمى ، ولما أعرض عن الفعل قرأ الحرف المعمى ، فلما عرفه اللّه تعالى بحقه رفعه على خلقه ،
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ،
فجاءهم بمثال
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ ،
فقال أطفال التعليم بلسان الاستسلام والإحسان ، قيام الروح بمشاهدة الملك العلام ، ألا تراه يقول ( الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه ) ، فتكون قائما بوظائف العبودية مع شهودك إياه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك فتكون قائما بوظائف العبودية مع شهوده إياك فأنت في الأول مراد ، وفي الثاني مريد ، لأنه حين أرادك أشهدك إياه ، وحين أردته كان الإرادة منك له فلذلك حجبك ، فلو كانت الإرادة منه لك لما حجبك ، فإنه لا توصل إليه إلا به قال داود عليه السّلام يا رب أين أطلبك ؟ قال : يا داود أنت من أول قدم فارقتني ، يا رب وكيف ؟ قال : لأنك جعلت الطلب منك إلى ، ولو جعلته منى إليك لوجدتني قال أبو يزيد تهت في بدايتى في ثلاثة أشياء كنت أظن أنى أحببته وطلبته وذكرته ، فلما كشف لي رأيت ذكره لي سابق ذكرى له ، وطلبه لي سباق طلبي له وحبه لي سابق حبى له ، فالكل به وبفضله ثم في الحديث معنى خفى يظهر لمن قلبه ذكى في قوله : فإن لم تكن تراه فإنه يراك فقوله : فإن لم تكن هذا كلام تام ، وشرطه تام ثم قوله تراه جزاء هذا الشرط ،