تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة خلاصة التصوف ( حل الرموز ومفاتيح الكنوز ) — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
فلما رأيت هذه الأقوال الصادرة عن أهل الأحوال وقد أشكل على الافهام تعليلها ، وعزب عن الأوهام تأويلها أحببت أن أشرح منه ما انشرح له صدري وسنح به فكرى وبلغ اليه قدرى ، وذكرت فيه من العبارة ما ليس فيه استعارة ، وقدمت ذكر هذه الأحاديث وما معها من الألفاظ المأثورة عن الرجال وجعلتها أسا للكلام وبينة لثبوت الأحكام ، لتكون منوالا أنسج عليها ما كان حالا لا محالا وسميتها « حل الرموز ومفاتيح الكنوز » ، وإنما سميتها بهذه التسمية لأنها تشير إلى المقام الأشرف المعروف منه كنت كنزا لا أعرف ، ثم قدمت لحل هذه الإشكال مقدمة يزول بها الأشكال إذ النتائج لا تظهر إلا بالمقدمات . والنهايات لا تصح إلا بتصحيح البدايات . فمن صدق في بدايته أطلعه اللّه على حقائق نهايته . كما أن من بنى أساسا ثبت عليه بالكتاب والسنة والقياس ، قال اللّه تعالى :
أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ
« 1 » الآية . وأقول وباللّه التوفيق أعلم أن العلم مقدمة نتيجتها العمل والعمل مقدمة نتيجتها الحال فالعلم والعمل كسبى والحال وهبى قال اللّه تعالى :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
« 2 » فالمجاهدات بالعلم والعمل والهداية مواهب اللّه تعالى في الأحوال وهذا معنى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من عمل بما يعلم ورثه اللّه علم . ما لم يعلم » فالذي أورثه اللّه لعبده لم يكن من كسبه بل بفضل اللّه وبرحمته وبذلك من اللّه على نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : « وعلّمك ما لم تكن تعلم * وكان فضل اللّه عليك عظيما » « 3 » ثم اعلم أن من مراتب السلوك إلى منازل الملوك ثلاث الإسلام والإيمان والإحسان . فالإسلام أول مراتب الدين لعامة المؤمنين .
هامش
( 1 ) [ سورة التوبة : آية 109 ] . ( 2 ) [ سورة العنكبوت : آية 69 ] . ( 3 ) [ سورة النساء : آية 113 ] .