تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة خلاصة التصوف ( حل الرموز ومفاتيح الكنوز ) — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
أحب أحبائي إلىّ من عبدني لغير نوال ، بل ليعطى الربوبية حقها ، ومن أظلم ممن عبدني لجنة أو نار ، يا داود وإنما خلقت النار سياطا لأسوء عبادي أسوقهم إلى خدمتي ، وخلقت الجنة لمتوسلى عبادي أوصلهم إلى جواري وقربى . يا داود لو لم أخلق جنة ولا نارا لم أكن أهلا أطاع وأعبد محبة لي . وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا يكون أحدكم كالعبد السوء إن خاف عمل أو كالأجير السوء إن لم يعط لم يعمل » . ويظهر من هذا المعنى سر قوله صلى اللّه عليه وسلم : « نعم العبد صهيب لو لم يخف اللّه لم يعصه » ، فهذا في لفظه إشكال ، وتفسير ذلك وتحقيقه أنه أثنى عليه بقوله نعم العبد فلو كان عصى ما استحق المدح ، وقد علق وجود المعصية على وجود الخوف ، وقد ثبيت أنه ما عصى فعلمنا أنه ما خاف . فتركه للمعصية لم يكن خوفا من عقوبته بل رعاية لمحبته ، ووجه آخر في تفسيره وهو أن الهاء في يعصه ضمير عائد على صهيب ، فمعناه لو لم يخف اللّه لم يعص نفسه ، واعلم أن السالك إذا صدق في توبته لزمته المجاهدة واستعمال جوارحه في الطاعات ، فإذا داوم العبد المجاهدة أثمرت له حركات ظاهرة وبركات باطنة ، فإن حركات الظاهر توجب بركات الباطن ، لأن اللّه سبحانه جعل بين الأجساد والأرواح رابطة ربانية وعلاقة روحانية ، فلكل منهما ارتباط بصاحبه وتعلق به يتأثر بتأثر صاحبه ، فإذا عملت الجوارح بالطاعة أثر ذلك على قلبه فيخشع قلبه وتصفو روحه وتزكو نفسه وإذا أخلص القلب بالطاعة أثر ذلك على جوارحه فاستعملها في طاعته ، ألا تراه صلى اللّه عليه وسلم يقول لذلك الرجل الذي رآه يعبث في صلاته : « لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه » وقال : « من أخلص للّه أربعين صباحا تفجرت ينابيع
زبدة خلاصة التصوف ( حل الرموز ومفاتيح الكنوز ) — صفحة 94 | العز بن عبد السلام / توفيق على وهبة / احمد عبد الرحيم السايح