تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة خلاصة التصوف ( حل الرموز ومفاتيح الكنوز ) — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥

فصل [ في الكرامات ]

واعلم أن طائفة ممن عدموا العقل وخالفوا النقل ، عدلوا عن الحق وصدوه وعمدوا إلى هذا الباب فسدوه ، وقالوا بابطال كرامات الأولياء ومكاشفات الأصفياء كالمعتزلة باعتزالهم ومن وافقهم على ضلالهم ، وقالوا لا تكون هذه الكرامات والمعجزات إلا للأنبياء عليهم السلام ، ومن ادعى ذلك سواهم فهو محال ويكذبهم فيما أنكروه وجحدوه العقل والنقل . فأما العقل فمن وجهين : أحدهما أنه لا معنى للكرامة إلا ما يكشفه اللّه تعالى لعبده ويطلعه عليه من حقائق الأشياء وهذا من مقدور اللّه تعالى داخل تحت مشيئته فيجب وصف اللّه تعالى به وبالقدرة على إيجاده ، فكيف يستحيل وجوده مع قدرة اللّه تعالى عليه ، وكما أنه لا معنى للنبي إلا أنه عبد اختصه واطلعه على غيبة وكاشفه بحقائق الأشياء ، كذلك الولي عبد كاشفه اللّه تعالى بما شاء من غيبه ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء ، وهو في حق النبي معجزة وفي حق الولي كرامة ثم أنها ملحقة بمعجزات نبيه منسوبة إليه ، لأن الكرامة لا تظهر إلا على من صدق في إيمانه وإسلامه ، وإيمانه وإسلامه مستفاد من ذلك النبي ومن بركته فكلما ظهر على هذا الولي كرامة كانت ملحقة بمعجزة نبيه ، ولا يكون في رتبة النبوة . والفرق بين المعجزة والكرامة أن المعجزة يدعيها النبي لنفسه ويستدعيها متى أراد ، والكرامة لا يدعيها الولي لنفسه ولا هي بحكمه بحيث لا يستدعيها متى أراد ، بل تارة تظهر اختيارا وتارة تظهر عليه اضطرارا وتارة لا تظهر ، وليس من شرط الولي أن تكون له كرامة ولا يؤثر ذلك في ولايته ، ولا كذلك النبي فإنه يجب أن يكون له معجزة لأن الرسل والأنبياء عليهم السلام بعثوا حجة على الناس يدعونهم إلى اللّه تعالى فلا بد لهم من المعجزة لإقامة البرهان .