فصل [ صفاء الأحوال ]
واعلم أن الأجساد تنمو بنماء الأقوات كذلك الأحوال تصفو بصفاء الأوقات فقوت جسدك ما عودته من الطيبات ، وقوت روحك ما ربيته من أقوات الطاعات في أوقات الخلوات ، وكلما صفت حكت ما فيها من جوهر المعاني فإذا كانت عين نظرتك منطمسة ، ومنابع فكرتك مندمسة ، ومعالم علومك مندرسة وأعلام عزيمتك منتكسة ، وخيول همتك عن اللحاق بالقوم محتبسة فما بالك والتطاول إلى منازل قوم عيون قلوبهم بالحكم منبجسة ، وسرائرهم لأنوار معارفهم من جذوة الغيب مقتبسة ، فلا تدع ما ليس فيك ولا تتمدغ بغيك بما ليس فيك ، فحسبك ما يعلمه اللّه فيك ويكفيك فينبغي لك أن تقف موقف الأصاغر وتتأدب بآداب الأكابر ، هذا موسى كليم اللّه عليه السّلام لما كان طفلا في حجر تربية الحق سبحانه ما تجاوز حده ولا تعدى قصده بل قال
رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ
« 1 » فلما كبر وترعرع وبلغ مبلغ الرجال ما رضى بطعام الأطفال بل قال
رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
« 2 » فكان غاية طلبه في طفولية بدايته طعام وشراب ، وكان منتهى أربه في رجولية نهايته رفع الحجاب ومشاهدة الأحباب ، فإذا تأدبت بهذه الآداب تيسرت لك الأسباب وفتحت لك الأبواب ، وإذا وجدت من وجد ما لم تكن واجدا وشهدت ما لم تكن مشاهدا ورأيت من ورد ما لم تكن واردا وسمعت بأرباب الأحوال والوارد فلا تكن لآيات ربك جاحدا ولا في تأويلها لا حدا واسأل من أعطاهم أن يعطيك فإن مولاك ومولاهم واحد وقد أشرت في هذه الأبيات إلى ما يهدى كل قاصد :
هامش
( 1 ) [ سورة القصص : آية 24 ] .
( 2 ) [ سورة الأعراف : آية 143 ] .