معرفته وتناول من كئوس محبته رفع سيماها على وجهه وتبين أثرها في حركاته وسكناته قال اللّه تعالى :
تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ
« 1 » وقال اللّه :
سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ
« 2 » قال صلى اللّه عليه وسلم من كانت سيرته حسنة أظهر اللّه عليه منها رداء يعرف به ويشهد عليه بالخبر ، وقال أبو يزيد العارف على لسانه وصف الربوبية وعلى أركانه خدمة الديمومية وعلى نفسه أثر العبودية وفي قلبه هيبة الفردانية وفي سره طرب الإلهية ، وفي روحه شعب الوحدانية .
وقالت رابعة للعارف ثلاث علامات : بدنه مشغول بالطلب ، وقلبه مشغول بالشغب ، وروحه مشغولة بالطرب ، وقيل قلب العارف منور بمصابيح المعرفة ، ووجهه مزين بسيماء الطاعة وأطرافه ذائبة من خوف القطيعة وسره منقطع إلى اللّه من كل علاقة ، وعلامة ذلك أن يكون خادما بالأركان ذاكرا باللسان مستأنسا به في كل أوان ، ويكون نفسه في الدنيا غريبا وقلبه في صدره غريبا ، وروحه في جسده غريبا وسره في حاله غريبا والغريب أبدا في غربته كئيب فلا يستريح العارف من غم الغربة ما لم يصل إلى الحبيب .
ومن ههنا يظهر معنى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل » فتأملت حقيقة هذا الحديث فرأيت أن الأرواح خلقت قبل الأجساد بألفي عام ، ثم أفيضت من عالمها الروحاني النوراني فأودعت ظلمة هذا الجسد الترابي الطبيعي الجثمانى ، والجسد مخلوق من التراب والتراب كائن قبل كون الآدمي ، فهما في الحقيقة جلبا غريبين غربا عن وطنهما وأبعدا عن أصليتهما فاجتمعا اجتماع غربة كل واحد منهما يشير إلى وطنه ويطير إلى سكنه ، فالجسد أخلد إلى الأرض والروح بدون السمو لم يرض ( وللّه ) در القائل :
هامش
( 1 ) [ سورة البقرة : آية 273 ] .
( 2 ) [ سورة الفتح : آية 29 ] .