فصل [ كيفية الوصول إلى معرفة الله ]
ثم اعلم أنه لا يوصل إلى معرفة اللّه تعالى إلا بالعجز عن معرفته لأن كل إشارة يشير بها الخلق إلى الحق سبحانه مردودة عليهم لأنها من جنسهم مخلوقة مثلهم حتى يشير إلى الحق بالحق ولا سبيل لهم إلى ذلك ، وأوحى اللّه إلى داود عليه السّلام يا داود اعرفنى واعرف نفسك ، ففكر داود ساعة ثم قال : إلهي عرفتك بالفردانية والقدرة والبقاء ، وعرفت نفسي بالضعف والعجز والفناء ، فقال اللّه تعالى يا داود الآن عرفتني حق المعرفة .
وقد سئل الصديق الأكبر أبو بكر رضي اللّه عنه بم عرفت ربك ؟ فقال : عرفت ربى بربى ولولا ربى ما عرفت ربى ، فقيل له : وهل يتأتى للبشر أن يدركه ؟
فقال العجز عن درك الإدراك إدراك ، ومعنى هذه الإشارة الصديقية أن الحواس الخمس التي هي آلات الادراك السائر المحسوسات لا وصول لها إلى إدراكه ، فإذا علمت أن الحق سبحانه وتعالى منزه عن إدراك هذه الحواس لكنه ذاته وصفاته لعجزها عن إدراكه فقد عرفت الحق .
وقد سئل مصباح التوحيد ومفتاح التغريد علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه : بم عرفت ربك ؟ فقال : عرفته بما عرفني به نفسه لا يدرك بالحواس . ولا يقاس بالناس . قريب في بعده بعيد في قربه . فوق كل شئ . ولا يقال تحته شئ . أمام كل شئ . ولا يقال أمامه شئ . وهو في كل شئ لا كشىء في شئ . فسبحان من هو هكذا ولا هكذا غيره وقال على رضي اللّه عنه مخبرا عن حقيقة التوحيد ركضت الأرواح في ميادين المعرفة فسبق روح نبينا صلى اللّه عليه وسلم أرواح الأنبياء فخلع عليها خلعة المعراج فقيل له وما غايتها أي المعرفة فقال