أجارتنا إنا غريبان هاهنا * وكل غريب للغريب نسيب
ثم أصطلحا على جمع زاد يقطعان به مسافة الطريق ويصلان به إلى ذلك الفريق ، فوجدا من مشقة مسافة الطريق ما أفضى بهما إلى التفريق والتمزيق ، وصبرا على ظمأ الهواجر حتى بلغت القلوب الحناجر ، وصابرا على قيام الليل وما لا على أنفسهما كل الميل فتارة يطرقهما من مكان الخوف طارق فتجرى الدموع السوابق ، وتارة يبرق لهما من أفق الرجاء بارق فيستريح إليه العاشق ، وتارة يخفق لهما عن عرف القبول خافق فيسكن القلب الخافق ، فما زالا بين انتهاض ونشاط وانقباض وانبساط حتى طويا البساط ووافيا عقبى الموت التي لا يعلم منها إلى أين الانحطاط ، فتهيأ الروح للفراق وعزما على الانطلاق
إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ
« 1 » فقال له الجسد وهو في السياق أيها الخليل أههنا يترك الخليل خليله وقد حل بىما لا يندفع بحيلة وما كانت أيام الصحبة إلا قليلة ، فقال : إنما أسبقك إلى المنزل الأول وعليه المعول فأمهده بما معي من الزاد وأهبته بما أعددت من الصلاح والفساد ثم أعود إليك أيها الجسد فلا نفترق بعدها إلى الأبد فتنطلق الروح مع داعى
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً
« 2 » ويعود الجسد إلى منزل
مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى
« 3 » ( وقال ) قائلهم :
خلقت من التراب فصرت حيا * وعلمت الفصيح من الخطاب
وعدت إلى التراب فصرت ميتا * كأني ما برحت من التراب
خلقت من التراب بغير ذنب * وارجع بالذنوب إلى التراب
هامش
( 1 ) [ سورة القيامة : آية 30 ] .
( 2 ) [ سورة الفجر : آية 28 ، 29 ] .
( 3 ) [ سورة طه : آية 55 ] .