الدهش في كبرياء اللّه عز وجل . وسئل على أيضا رضي اللّه عنه هلى عرفت اللّه بمحمد أو عرفت محمد باللّه ؟ فأجاب لو عرفت اللّه بمحمد ما عبدته ولكان محمد أوثق في نفسي من اللّه ، ولو عرفت محمد باللّه لما احتجت إلى رسول اللّه ولكن اللّه عرفني نفسه بلا كيف كما شاء ، وبعث محمدا صلى اللّه عليه وسلم بتبلغي أحكام القرآن وبيان مفصلات الإسلام والإيمان وإثبات الحجة وتقويم الناس على منهج الإخلاص ، فصدقت بما جاء به ، فاعلم أنه يستحيل الوصول إلى معرفة شئ من معرفة اللّه بغير اللّه ولا سبيل إلى معرفة اللّه إلا باللّه ، فإن الأفهام والأوهام والعقول والخواطر عاجزة قاصرة عن إدراك صورها وعللها فكيف تطيق إدراك مصورها ومعيدها وإنما الحق سبحانه خلق الخلق كما شاء على ما شاء ووفق ما شاء لما شاء وعرف من شاء بما شاء ، وفي الحديث : « أن اللّه خلق خلقه في ظلمه ثم رش عليهم نورا من نوره فمن أصابه ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ذلك النور ضل » فمعرفة العبد لربه نور اللّه الذي يقذفه في قلب عبده فيدرك بذلك النور أسرار ملكه ، ويشاهد غيب ملكوته ، ويلاحظ صفات جبروته ، ثم تنزل قوة إدراكه على مقدار ما أفيض عليه من ذلك النور ، وهذا معنى قوله تعالى :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ
« 1 » الآية أي مثل نور المؤمن هكذا كان يقرأ أبي بن كعب وكان يقرأ عبد اللّه بن سعود رضي اللّه عنهما مثل نوره في قلب المؤمن ، وإنما سمى الحق سبحانه وتعالى نفسه نورا لأن النور هو الضياء المظهر للأشياء ، فإذا تسمى بما يظهر غيره بالإضافة إلى الإدراك نورا فلأن يسمى من يظهر الأشياء من كتم العدم إلى قضاء الوجود بالإيجاد نورا أولى ، بل هو نور النور مظهر المظهرات ، ثم ضرب مثل نوره في قلب المؤمن وشبهه فشبه صدره بالمشكاة ، وشبه قلبه في صدره بالقنديل في المشكاة ،
هامش
( 1 ) [ سورة النور : آية 35 ] .