تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة خلاصة التصوف ( حل الرموز ومفاتيح الكنوز ) — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧

فصل [ درء شبهة التشبيه ]

ثم اعلم وفقك اللّه أن اللّه تعالى لا يوصف بشئ مما أشرنا إليه في الأحاديث ولا في غيرها بحلول ولا نزول ولا اتصال ولا انفصال ولا ملامسة ولا مجانسة ، فاحذر أن يختلج في فهمك أو وهمك شئ من ذلك فتهوى في المهالك ، فكل ما قدرته في بالك فاللّه تعالى بخلاف ذلك ، وأين الحادث الفاني من القديم الباقي ، وأين العبد الذليل من المولى الجليل ، فإن فهمت من قوله تعالى
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ
« 1 » ومن قوله : « من تقرب منى شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب منى ذراعا تقربت منه باعا » فهذا وأشباهه وإن خطر ببالك أو تصور في خيالك إن ذلك قرب مسافة ومشى جارحة ونزول وانتقال فأنت لا شك هالك ، واللّه بخلاف ذلك ، منزه عن السلوك وقربك منه في المسالك ، وإنما معنى قربه منك وقربك منه بالخدمة وهو يتقرب إليك بالرحمة ، وأنت تتقرب إليه بالسجود ، وهو يتقرب بالجود ، وأنت تتقرب بالطاعة ، وهو يتقرب بتوفيق الاستطاعة ، قال صلى اللّه عليه وسلم مخبرا عن ربه « إن أفضل ما يتقرب به عبادي إلى أدام ما افترضت عليهم » فأخبر سبحانه عباده أن تقربهم إليه بالعبادة ، ثم قربه منك في اليوم ما خصك به من معرفته ومحبته وطاعته وقربه منك في غد بما يحصل من مشاهدته ومخاطبته شفاها وكفاحا ، ثم هو في الحقيقة أقرب إلى كل شئ ، من كل شئ ليس شئ أقرب إليه من شئ ، وهو أبعد عن كل شئ ، من كل شئ ليس شئ أبعد عنه من شئ فهو في قربة بعيد وفي بعده قريب ، وقربه من خلقه على ثلاثة أقسام الأول قرب عام وهو قرب العلم والقدرة والإرادة وهو قوله تعالى
ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ
« 2 » الآية والثاني
هامش
( 1 ) [ سورة البقرة : آية 186 ] . ( 2 ) [ سورة المجادلة : آية 7 ] .