فصل [ حب العبد لله ]
ثم اعلم أنه لاح لي من هذه اللمعة لائحة وشممت من عبيقها أطيب رائحة ، وهو أنا إذا قلنا : إن محبة العبد لربه إنما هي نتيجة محبة العبد لربه إذا لو لم تكن كذلك لما كانت هذه ، ثم إن العبد لا يثبت له قسم في المحبة حتى يفنى العبد عن عبوديته ، ولم يبق للعبد في العبد أثر ولا له منه علم ولا خبر ، فعلمنا أن المحب في الحقيقة هو المحبوب ، والمحبوب هو المحب ، فالحق سبحانه وتعالى محب محبوب وخاطب مخطوب ومراد ومريد .
ثم لطيفة أخرى وهي أنه إذا أحبك إنما أحب نفسه ، لأنك قدرته وصنعته وحكمته ، فإذا أحبك أحب صنعته ، كالصانع إذا أتقن صنعته وأحكمها وأعجبته أحبها فما أحب إلا ما عملت يده واستنبطته حكمته ، فما كان منك كسبا وفعلا كان منه خلقا وتقديرا ، وأنت في الحقيقة مسخر لقدرته ، مستعمل بمشيئته ، ليس لك من الأمر شئ فإذا أرادك لقربه أخذك منك وسلبك عنك وعراك عن صفاتك الفانية وخلع عليك صفاته الباقية « فبى يسمع وبىيبصر » ثم أقامك مقام نفسه وأقام نفسه مقامك « مرضت فلم تعدنى » كما فعل بحبيبه صلى اللّه عليه وسلم لما خلع عن قدمي مراده نعلى الكونين خلع عليه خلعة
قابَ قَوْسَيْنِ
« 1 » وذلك بعد ارتحاله عن الوطنين الروح والجسد وانخلاعه عن الأصلين العلم والعمل وانتزاعه عن الوصفين السعادة والشقاوة واعراضه عن الحالتين السابقة واللاحقة وذهابه عن الاشارتين وهي لي ولك وأنا وأنت ومعي ومعك . لأن هذه كلها كلمات مأخوذة من صفات البشرية
هامش
( 1 ) [ سورة النجم : آية 9 ] .