مشيرة إليها فارتحل عنها وسار إليه بلا واسطة ، ووقف مع مشاهدة الحق متلقيا ما يرد منه من أسرار المكالمة والمشاهدة وليس له فيه أثر ، فهو معه بلا هو ، مشاهدة بلا كيف ، محاضرة بلا أين ، فلما انخلع عن الكل سلم إليه الكل فأقامه مقام نفسه لأن لطافة وصلة المحبة أسقطت ما بينهما من الوسائط لاتحاد صفة المحبة وصفاء مزاج الصفوة فقال تعالى مخبرا عن قيامه له مقام نفسه
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ
« 1 » وقال سبحانه
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ
« 2 » وقال عز وجل
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
« 3 » .
وروى أن امرأة جاءت إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقالت : يا رسول اللّه اعذرنى فإن لي قلبا واحدا فقال لها لا تشغلى قلبك فإنه من أحب اللّه أحبني ومن أحبني أحب اللّه ثم بقي من ذلك الكاس الذي شربه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقية شراب شربه من لم يبق له من نفسه بقية فشربوا من فضلة شربه وسكروا من نشوة سكره .
وفي ذلك قلت :
شربت حميا حبكم مذ عرفتكم * على ظمأ منى فزاد تلهبى
فلا مورد للعالمين كموردى * ولا مشرب للعاشقين كمشربى
فلى رتبة تعلو على كل رتبة * ولى منصب يسمو على كل منصب
فانظر إلى لطافة وصلة المحبة الأزلية القديمة كيف يصفو مزاجها ويخفى طي اندماجها واندراجها كيف سرت في الأسرار وجرت في مجارى الأفكار حتى حصلت ما في الصدور بمحصولها ، وملكت ما في القلوب بوصولها
هامش
( 1 ) [ سورة الفتح : آية 10 ] .
( 2 ) [ سورة النساء : آية 80 ] .
( 3 ) [ سورة آل عمران : آية 31 ] .