الخوف أولى بالمسمى * إذ ناله ذل الحزن
والحب يجل بالتقى * وبالنقى من الدرن
وقال أبو بكر الكناني : جرت مسألة بمكة في المحبة فتكلم فيها المشايخ فكان الجنيد أصغرهم سنا فقالوا هات ما عندك يا عراقي : فأطرق رأسه ودمعت عيناه ثم قال عبد ذاهب ، عن نفسه متصل بذكر ربه ، قائم بأداء حقوقه ، ناظر إليه بقلبه حرق قلبه بأنوار هويته ، وصفا شرابه من كأس وده ، وكشف له الحق عن أستار غيبه ، فإن تكلم فباللّه ، وان سمع فمن اللّه ، وإن تحرك فبأمر اللّه ، وإن سكن فمع اللّه ، فهو باللّه وللّه ومع اللّه ، فبكى الشيوخ وقالوا ما على هذا من مزيد جبرك اللّه يا تاج العارفين .
وقيل المحبة أولها يحيهم وآخرها يحبونه وبينهما منهج تذوب وأرواح تطير إلى المحبوب ، واعلم أن من لم يسبق له يحبهم لم يصح له يحبونه ، فسابقة يحبهم محصلة اللاحقة يحبونه ، ولا حقة يحبونه نتيجة مقدمة يحبهم ، فسابقة يحبهم لا أول لها ، ولا حقة يحبونه لا آخر لها ، فمن ثبت قدمه عند شرب كأس يحبهم قال : هو ، ومن تجاوز به سكره عن حد الثبوت حتى تناول كأسه بكف يحبونه قال : أنا ، فالشارب بكأس يحبهم متمكن والشارب بكأس يحبونه متلون ، فالناطق بالأنانية متكلم من وادى المحو بلسان الإثبات ، والناطق بالهوية متكلم من وادي الفناء بلسان البقاء ، وكلاهما ناطق صادق والحقيقة موافق ، لأن من قال أنا ما أراد بالأنانية نفسه لأنه مأخوذ من نفسه مجذوب عن حسه فأخذه وسالبه وجاذبه هو المتكلم على لسانه .
ومثال ذلك قصة أبى يزيد رحمة اللّه عليه حين قال : سبحانى فأنكروا عليه ، فقال حق سبح نفسه على لسان عبده ، فإن الحق إذا أحب عبدا أبدى عليه باديا منه فغيبه عنه ، ويكون البادى هو الناطق على لسانه ، ثم من علامة