تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة خلاصة التصوف ( حل الرموز ومفاتيح الكنوز ) — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
من الخشب في بداية استيلاء النار عليه فإذا اتسحكمت النار ذهبت ذاتية الخشب وانقطع الدخان فكذلك ما يتصاعد من بخارات حسك وخيالات نفسك في بدايتك فإذا دام استيلاء نار المحبة ذهبت ذاتية صفاتك وقامت بصفاتها عن صفاتك ، وبوجودها عن وجودك ، ومثال كمون المحبة في ذاتية المحبوب وسلب ذاتية المحب عن صفاتها ككمون النار في ذاتية الماء الحار ، فأنت تظنه في الصورة ماء يغرق ، وهو في الحقيقة نار تحرق ، فلو أدنيت منه شيئا لأحرقه ، فإن قلت : إن المحرق هو النار فأين الماء ؟ وإن قلت : إن المغرق هو الماء فأين النار ؟ ولقد أشرت إلى ذلك فقلت :
نار المحبة أحرقت أحشائى * ومدامعى تنهل كالأنوائى فأنا الحريق بأضلعي وأنا ال * غريق بأدمعى يا منقذ الغرقاء ومن العجائب أن نار تحرقى * تزداد وقدا عند فرط بكائي فالنار والماء القراح تآلفا * هذا لعمري أعجب الأشياء
فإن قلت فكيف ينبغي للقديم أن يحل في الحادث ؟ وكيف يجوز لمخلوق أن يتصف بصفات الخالق ؟ وما وجه قوله كنت له سمعا وبصرا ، فبى يسمع وبىيبصر ؟ « 1 » . فأقول ألا ترى أن النار كيف كست صفاتها للماء بواسطة الحجاب حتى عاد الماء في الصور ماء وفي المعنى نارا يفعل فعل النار في إحراقها من غير أن يتحيز النار في ذات الماء ولا اتصلت به ولا مازجته ولا جانسته فهي متصلة بالذات منفصلة بالذات ، وإنما بواسطة قرب الماء من النار كسته صفتها النارية فصار محرقا ، فكذلك الحق سبحانه وتعالى بواسطة قرب عبده منه واقباله عليه كساء اللّه سبحانه وتعالى صفة النارية من غير تحيز ولا اتصال ولا انفصال ويضرب اللّه الأمثال .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .
زبدة خلاصة التصوف ( حل الرموز ومفاتيح الكنوز ) — صفحة 101 | العز بن عبد السلام / توفيق على وهبة / احمد عبد الرحيم السايح