وتجاوز الحد قتله ، فالقاتل في الحقيقة مجتهد مصيب بامضاء أمر الملك والوقوف عند حدوده والمقتول شهيد مرحوم مقرب غير متعد في قتله بما خصه به الملك فأذن له في الدخول عليه بغير إذن والاطلاع على سره ومشاهدة معانيه ، فهذا شأن هذه الشريعة في إقامة الحدود ومحافظة العهود ، وهذا شأن أهل الحقيقة في خصوصية الشهود ومشاهدة المعبود ، فالشريعة إقامة بوظائف العبودية والحقيقة مشاهدة الربوبية فالشريعة مجاهدة ، والحقيقة مشاهدة ، ولا تباين بينهما إذ هما متلازمان إذ الطريق إلى اللّه سبحانه لها ظاهر وباطن ، فظاهرها الشريعة وباطنها الحقيقة ، فبطون الحقيقة في الشريعة كبطون الزبد في لبنه أو الكنز في معدنه ، فيذوب مخض اللبن أو صفر المعدن ، لا يظفر من اللبن بزبده ولا يفوز من المعدن ، بلوغ قصده فالمراد من الحقيقة ، والشريعة إقامة العبودية على الوجه المراد منك ، وكل شريعة لا حقيقة لها فهي عاطلة ، وكل حقيقة لا شريعة معها فهي باطلة ومصداق ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم لحارثة « يا حارثة كيف أصبحت ، قال : أصبحت مؤمنا حقا ، فقال : لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك ؟ فقال : يا رسول اللّه عزبت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلى وأظمأت نهارى وكأني انظر إلى عرش ربى بارزا وإلى أهل الجنة يتزاورون ، وإلى أهل النار يتعاوون ، فقال صلى اللّه عليه وسلم « عرفت فالزم » فالشريعة حق والحقيقة حقيقتها ، فالشريعة القيام بالأوامر ، والحقيقة مشاهدة الأمر ، والحقيقة والشريعة يجمعها كلمتان وهو قوله :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
« 1 » فإياك نعبد شريعة ، وإياك نستعين حقيقة ، ثم أعلم أن العلم علمان : علم الظاهر للشريعة وعلم الباطن للحقيقة قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم العلم علمان علم باللسان وعلم بالقلب ، فأما علم اللسان فهو حجة اللّه للعباد ، وأما علم القلب فهو
هامش
( 1 ) [ سورة الفاتحة آية 5 ] .