تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة خلاصة التصوف ( حل الرموز ومفاتيح الكنوز ) — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
العلم الأعلى الذي لا يخشى اللّه العباد ، إلا به فعلم القلب هو العلم اللدني الذي لم يسطر في الطروس ولم يحفظ في الدروس ، وإنما هو تلقين من اللّه بغير واسطة ملك ولا سفارة رسول ، كما أن الخضر عليه السّلام علم بالعلم اللدني ما لم يعلمه موسى بالعلم الوحي فقتل تلك النفس الزكية بغير نفس هذا على ظاهر الشرع عدوان محض ، لكن ظهر تحقيق فعله بعلم آخر لدني لم ينقل من الكتب والأوراق وإنما جاء وحيا من الملك الخلاق ، فوجب على موسى عليه السّلام انكار ذلك واستقباحه قياما بالحدود وعملا بالشريعة إذ هو مشرع ومقتدا به ، فلو سكت عن الإنكار ، لاستحق الإنكار ولذلك تأدب الخضر معه بقوله
إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً *
« 1 » وهذا غاية الأدب من الخضر لأنه علم أنه بدا منه ما لا تقره الشريعة فقال إنك لن تسطيع معي صبرا على ما يخالف الشريعة ثم لما أعلمه الخضر بما لم يدخل في علم الشريعة علم موسى عليه السّلام أن الشريعة جسد والحقيقة روحها ، وإذا لم يكن للشريعة سفينة غرق ملاحها . فإن قال قائل فيكف تصح دعوى من أدعى الأنانية وكيف يأوّل وعلى أي شئ يحمل وما نظير ذلك في الخارج وما مثاله في المحسوس لتقبله العقول وتسلمه النفوس ؟ فأقول : إعلم أن المحبة لطيفة روحانية تستولى بلطيف روحانيتها على كثيف جثمانية المحب فيذهب اللطيف الكثيف وتتلاشى الجثمانية بالروحانية لقوة سلطان المحبة وذوب المحب تحت قهرها فإن لنارها احتكاما ولسلطانها أصطلاما ، فإذا أذنت بحرارتها تدمر كل شئ بأمر ربها فمحال أن يثبت مع المحبة سواها أو يثوى مثواها ، وما مثال فناء المحب في بقاء المحبوب إلا مثال النار إذا استولت بلطافة روحانيتها على كثافة جثمانية الخشب والحطب وتبقى روحانية اللهب ، فالذي تشاهده من الدخان الصاعد
هامش
( 1 ) [ سورة الكهف : آية 67 ] .