« مسألة اعتقدتها منذ ثلاثين سنة ، تبين لي الساعة بدليل لاح لي : أن الأمر على خلاف ما كان عندي ، فبكيت ، وقلت : ولعل الذي لاح لي أيضا : يكون مثل الأول » :
فهذا قولك :
ومن المحال على العارف بمرتبة العقل والفكر : أن يسكن أو يستريح ، ولا سيما في معرفة اللّه تعالى ، إذ من المحال أن يعرف ماهيته بطريق النظر ، فما لك يا أخي تبقى في هذه الورطة ، ولا تدخل طريق الرياضات والمجاهدات والخلوات : التي شرعها رسول اللّه ( ص ) ، فتنال ما نال من قال فيه سبحانه وتعالى :
فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً
« 1 » ومثلك من يتعرض لهذه الخطة الشريفة والمرتبة العظيمة الرفيعة .
وليعلم وليي ( وفقه اللّه تعالى ) أن كل موجود عند سلب ذلك السبب محدث مثله ، فإن له وجهين :
وجه ينظر به إلى سببه .
ووجه ينظر به إلى موجده ، وهو اللّه سبحانه .
فالناس كلهم ناظرون إلى وجوه أسبابهم - الحكماء من الفلاسفة وغيرهم - إلّا المحققين من أهل اللّه تعالى ، كالأنبياء ، والأولياء ، والملائكة ( ع ) ، فإنهم - مع معرفتهم بالسبب - ناظرون - من الوجه الآخر - إلى موجدهم .
من نظر إلى موجده من وجه سببه ، لا من وجهه فقال : « حدثني قلبي عن ربي » .
وقال الآخر - وهو الكامل - « حدثني ربي » .
هامش
( 1 ) سورة الكهف ؛ الآية : 65 .