التنبيه الثالث
اعلم : أن الأرض الواسعة « 1 » إنما هي أرض عبادتك ، فتعبد الحق « كأنك تراه » في ذاتك من حيث بصرك ، على ما يليق بجلاله تعالى .
وعين بصيرتك تشهد بأنه : ظاهر لها ظهور علم « 2 » ، فتجمع في عبادتك بين ما يستحقه تعالى من العبادة في الخيال « 3 » ، وبين ما يستحقه من العبادة في غير موطن الخيال « 4 » ، فتعبده مطلقا ومقيدا « 5 » ، وليس هذا لغير هذه النشأة الإنسانية المؤمنة ، التي جعلها اللّه تعالى حرمه المحرم ، وبيته المعظم .
فكل من في الوجود من المخلوقات : يعبد اللّه تعالى على الغيب ، إلّا الإنسان الكامل ، فإنه يعبد اللّه تعالى على المشاهدة .
ولا يكمل العبد بالإيمان الكامل ، فإنه النور الذي يزيل كل ظلمة .
فإذا عبده على المشاهدة : رآه جميع « 6 » قواه ، فما قام بعبادته غيره « 7 » ، ولا ينبغي أن يقوم بها سواه .
هامش
( 1 ) المذكورة في قوله تعالى :يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِمن سورة العنكبوت ؛ الآية : 56 ، وهو من التفسير الأشاري .
( 2 ) لا ظهور رؤية .
( 3 ) أي في خيالك أيها العابد .
( 4 ) أي في موطن الحقيقة ، وهو موطن الذي يعتقد أنه يشاهد اللّه جل وعلا حقيقة .
( 5 ) يعني بما أفترض عليك من الفرائض ، وبما تنتقل به ، واللّه تعالى أعلم .
( 6 ) من قوله جلا وعلا : « كنت يده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها » إلى آخر الحديث القدسي المعروف .
( 7 ) الضمير يرجع إلى « اللّه » تعالى ، لأنه هو الذي أمدك سرا وجهرا ، وهو الفاعل على الحقيقة سبحانه وتعالى .