وإنما ضرب لك بك مثالا في عالم الفناء ، لتستدل به على ترتيب الملك الإلهي في دار البقاء .
ولهذا جعل هذه الدنيا عرضا زائلا ، وغرضا ماثلا ، وجعلك عنها راحلا .
فهي جسر منصوب على بحر الهلاك ، وميدان موضوع لمصارع الهلاك .
كم أبادت من القرون الماضية ، والأمم الخالية ، والجبابرة المتألهين الطاغين ، والحكماء ، والفضلاء ، والأدباء ، والعقلاء ، والأنبياء ، والأولياء ، فهل ترى لهم من باقية ؟
وأنت أيها الملك : على قارعة مذهبهم ، وعن قريب تلحق بهم .
فإما إلى نعيم في دار الخلود بجوار الصمد ، وإما إلى عذاب الأبد .
فاجهد في تحصيل أدوات النجاة والبقاء ، فإن الدنيا متاع ، والآخرة خير لمن اتقى ، والعارية مردودة ، وأعمالك بين يديك موجودة غير مفقودة ، في كتاب : لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ، ولا علانية ولا سريرة » ا ه .
وها هوذا شيخ الصوفية ، وأحد كبار مؤسسي الطريق - ذو النون المصري ( رحمه اللّه تعالى ) - يقول عن عباد زمانه ، وقد رأى فيهم شيئا من الخلل :
« . . . قد غلب على العباد والنساك والقرّاء - في هذا الزمن - التهاون بالذنوب ، حتى غرقوا في شهوة بطونهم وفروجهم ، وحجبوا عن شهود عيوبهم ، فهلكوا وهم لا يشعرون :
مجموعه رسائل ابن عربي — صفحة 382
مساهمون: ابن عربي
ص٣٨٢