واعلم أنه إنما كانت حكمة خلقه كذلك ، أنه خلق من لطيف وكثيف ، ليكون كامل الخلق ، كامل الوصف ، خلقه اللّه تعالى من ضدين : جسماني وروحاني ، فجعل جسمانيته وبشريته لملاقاة البشر ، ومقايسات الصور ، فجعل له قوة يلاقي بها البشر ، فيمدهم بمادة بشريته ، فيكون معهم بهم ، فيكون هم لهم
إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
يجانسهم ويشاكلهم ، لأنه لو برز إليهم في هيئة روحانية ملكية نورانية ، لما أطاقوا مقابلته ، وما استطاعوا مقاومته ، فلذلك من اللّه تعالى بقوله :
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
« 1 » .
ثم جعل له قوة وروحانية يقابل بها عالم الروحانيين ، وملكوت العلوين ، ليكون تام البركة ، تام الرحمة .
الروحانيون : يشهدون جسمانيته .
ثم جعل له وصف ثالث خاص ، خارج عن هذين الوصفين ، وهو أنه جعل فيه وصف رباني وسر إلهي يثبت به عند تجلي صفات الربوبية ، ويطيق به مشاهدة الحضرة الإلهية ، ويتلقى به أسرار أنوار الفردانية ، ويسمع به خطاب الإشارات القدسية ، ويستنشق به عطر النفحات الرحمانية ، ويعرج به إلى المقامات العذبة البهية ، وهو معنى سر « 2 » قوله ( ص ) : « لست كأحد منكم » « 3 » وقوله ( ص ) : « لي وقت لا
هامش
( 1 ) اخر سورة التوبة .
( 2 ) لاحظ معنى قوله ( رضي اللّه عنه ) « معنى سر قوله » ولم يقل « معنى قوله » فهي منه ( رضي اللّه عنه ) إشارة إلى ما يقصد .
( 3 ) نص الحديث - كما في الجامع الكبير للسيوطي ( رحمه اللّه تعالى ) :
« إني لست مثلكم ، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني » رواه الإمام أحمد ، والبخاري ومسلم عن أنس بن مالك ( رضي اللّه عنه ) .
والبخاري عن عبد اللّه بن عمر .
والبخاري عن أبي سعيد .
وأحمد والبخاري عن عائشة .
والبخاري عن أبي هريرة .