ثم إعلم أن الغصن المحمدي قد حصل من روحانية ما هو مادة الأرواح ، ومن جسمانية ما هو مادة الأشباح .
فأما مادة روحانيته ، جوده في سر قوله تعالى :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
إلى قوله تعالى :
مِصْباحٌ
يعني مصباح نور نبينا محمد ( ص ) ، فقد جعله مصباح مشكاة الوجود ، فشبه الكون بالمشكاة ، وسيدنا محمدا ( ص ) بالزجاجة ، والنور الذي هو قلبه بالمصباح ، فأشرق نور باطنه على ظاهره ، كإشراق المصباح في الزجاجة ، فصار نور المصباح نارا ، والزجاجة نورا لصفائها ، فصار نورا وكان حظ كل مخلوق من ذلك بحسب قربه منه واتباعه له ، والدخول في شيعته ، والعمل بشريعته ، وهو معنى قوله تعالى :
نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ
« 1 » فشبه اللّه تعالى حبيبه محمدا ( ص ) بالماء النازل من السماء بقدر ، لأن الماء حياة كل شيء ، وكذلك كان نوره ( ص ) حياة كل قلب ، ووجوده رحمة لكل شيء .
ثم بين انتفاع الناس بنوره ، وما نالهم من بركته ( ص ) بالأدوية فجعل القلوب أودية ، منها : الكبير والصغير ، والجليل ، والحقير .
فاحتمل كل قلب على قدر وسعه ومقدار مادته من الماء ، وتطرق السيل إليه
قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ
ثم شبه جسمانيته بالزبد الرابي ، المحتمل على وجه الماء الصافي ، وهو مرباه الظاهر ، من : الأكل والشرب والنكاح ، ومشاركة الناس في أفعالهم وأحوالهم ، فذلك كله يذهب ويتلاشى
وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ
من نبوته ، ورسالته ، وحكمته ، وعلمه ، ومعرفته ، وشفاعته
فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
« 2 » .
هامش
( 1 ) هو معنى اشاري لأن الرسالة المحمدية ماء القلوب وحياتها ، والآية رقم : 11 من سورة الزخرف .
( 2 ) أرض القلوب .