فالمقام الأول : مقام الوجود في الدنيا ، وهو قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ
.
والمقام الثاني : المقام المحمود في الآخرة ، وهو قوله تعالى :
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
.
والمقام الثالث : مقام الخلود في الجنة ، وهو قوله تعالى :
الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ
.
والمقام الرابع : المقام المشهود ، مقام قاب قوسين لرؤية المعبود
ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى * فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى
الآية ، فهو المخصوص بالدنو والعلو ، والشهود إذ كان هو المقصود من كل الوجود ، لأن الوجود لما كان شجرة : كان هو ثمرتها ، وكان هو جوهرتها ، فالشجرة المثمرة إنما تثمر بالحبة التي ينبت بها أصلها ، فإذا غرست تلك الحبة ، وغذيت وربيت حتى نبتت وفرعت ، وأورقت ، واهتزت ، وأثمرت ، فإذا نظرت تلك الشجرة رأيتها في تلك الحبة التي نبت منها هذه الشجرة ، فالحبة في البداية : نطفة حتى أظهرت صورة الشجرة .
والشجرة في النهاية : بها ظهرت ، فأظهرت صورة تلك الحبة ، فكذلك بطونه ( ص ) في المعنى ( في السابق ) واختفاؤه وظهوره في الصورة ( في اللاحق ) واشتهاره ، وهو معنى قوله ( ص ) : « كنت نبيا وآدم بين الماء والطين « 1 » » فكان هو مظهر معنى هذه الشجرة ، وهو مظهر صورته ( ص ) ، فما برح بلسان القدم مذكورا ، وفي طي العدم منشورا .
هامش
( 1 ) وفي لفظ آخر : « كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد » رواه أبو نعيم عن ميسرة الفجر ، وابن سعد عن أبي الجدعاء ، وابن حبان عن ابن عباس وللحديث ألفاظ أخرى ورواه آخرون ، وهو حديث صحيح .