وما مثال ذلك إلّا مثال تاجر عمد إلى فراشه وبزه فطواه في خزانة ملكه ، وعبأه أثوابا بعضها فوق بعض ، فأول ثوب دمجه وطواه ، هو آخر ثوب أظهره وأبداه .
كذلك سيدنا محمد ( ص ) كان أولا لكل : وجودا ، وآخرهم ظهورا وخروجا « 1 » .
فلما تولى مقصار القدر سياسة هذا الغصن النبوي ، فغذاه بلباب بره : وسقاه بكأس محبته ، وحماه في قلة « 2 » حماه ، ورباه حتى اهتزت رباه ، وتفرعت نفحات شذاه ، فكانت تلك النفحات غذاء أرواح العارفين ، ونور بصائر المؤمنين ، وريحانة حضرة المحبين ، وعرصة مجمع العاصين ، وغياث مستسقي المذنبين .
فإن هب من تلقاء أصحاب الشمال سموم خطيئة ، أو عاصف معصية ، فأمال غصنا قد أنبته اللّه نباتا ، فمال به إلى عمل من أعمال أهل الشمال تلاعب بفرعه ، وأثر ذلك في خضرة نضارة زرعه « 3 » ، لكن أصله في أرض الإيمان ثابت ، فما يضره ما حدث في فرعه النابت ، إذا تداركه صاحب سيئاته ، فحماه من ذلك الهوى ، وأماله إلى طريق الإستقامة بعد الطوي ، وسقاه بماء الاستغفار حتى ارتوى ، فهنالك يقبل منه ما نوى ، ويورق غصن إيمانه بعد مازوى ، ويقوم خطيب الاعتذار عنه ، وهو الصادق فيما نقل وروى ، ويقسم ب
النَّجْمِ إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى
.
هامش
( 1 ) روى ابن سعد عن قتادة مرسلا قوله ( ص ) : « كنت أول الناس في الخلق وآخرهم في البعث » وهو بالمعنى الذي قاله الشيخ ( رحمه اللّه ) .
( 2 ) القلة : بضم القاف : المكان المرتفع وقلة الجبل : أعلاه .
( 3 ) وهذا هو معنى قول رسول اللّه ( ص ) : « مثل كمثل المؤمن كمثل خامة الزرع من حيث أتتها الريح كفاتها ، فإذا سكنت اعتدلت » إلى آخر الحديث الذي رواه البيهقي .