كان في أصله من الصفح الأيسر ، فبرحوا في ظل ظلمة مخالفته ، فكفروا بقربهم منه ومحاذاتهم له .
وبقي من كان في الصفح « 1 » الأيمن في نور معرفة آدم ، فسلموا من ظلمة إبليس ، لبعدهم عنه .
وأثر عليهم جوار من كفر ، واستظلوا بظلمة ضلاله ، وهم أهل الصفح الأيسر .
وأثر ذلك في صفاتهم ، وسلمت لهم أنوار ذواتهم ومعارفهم ، فما يرتكبه أهل الصفح الأيمن من المعاصي والأوزار ، هو من أثر ذلك الجوار ، وأشعة ذلك العذار « 2 » .
وأعلم أنه كان لذلك الأثر أصل آخر ، وسبب آخر ، وهو أنه لما أمر اللّه تعالى بقبض القبضة التي خلق منها آدم ( ع ) ، فهبط ملك الموت لذلك ، وكان إبليس يومئذ في الأرض ، قد استخلفه اللّه تعالى فيها مع جملة من الملائكة ، وقد مكث زمانا طويلا ، يعبد اللّه ، فقبض ملك الموت القبضة من سائر الأرض ، وكان إبليس يطؤها بقدمه ، فلما عجنت طينة آدم وصورت صورته من تلك الطينة ، جاء خلق النفس من التراب الذي وطئه إبليس بقدمه ، وخلق القلب من التراب الذي لم يطأه إبليس بقدمه ، فاكتسبت النفس ما فيها من الخبث والأوصاف المذمومة من ملامسة وطء إبليس ، ومن هنا جعلت النفس مأوى الشهوات ، وعيشه وسلطانه عليها : لوطئه لها ، ومن هنا جعل إبليس التكبر على آدم ، حيث وجدها من تراب قدمه ، ونظر إلى جوهر عنصره ، وهو النار ، فادعى الفخار حينئذ ، ومال إلى الاستكبار .
هامش
( 1 ) الجانب .
( 2 ) العذار هنا - واللّه أعلم - المقصود به الجانب الآخر ، والأصل فيه : الشر النابت في موضع العذار .