فانظر ، ليكون قائد الكفار إلى النار ، عكازة يعتمد عليها ذوو الذنوب والأوزار ، فإذا زل أحدهم قال :
إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ
وإن عمل قال :
هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ
.
فلما اقتحم آدم وإبليس عقبة المعصية ، هذا بترك ما أمر به ، وذاك يفعل ما نهي عنه ، جمع بينهما القدر إذ قدر ، لأنه تعالى أمر ، وأراد خلاف ما أمر ، فما وهبه الأمر سلبته الإرادة « 1 » .
فلما تعدياها : حكم لإبليس أن لا يتعداها .
وطنب « 2 » الشقي فيها خيامه ، وجعل في عرصتها مقامه .
وأما آدم فإنه حن إلى دار المقامة ، وتذكر لياليه وأيامه ، فعاد على نفسه بالملامة ، فنادى بين ندماء الندامة
رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا
فتلقى بشير قربته بتفريج كربته
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ
.
وأما الشقي إبليس فانطلقت إليه خيول اللعنة ، مطلقة الأعنة ، تبشره بطرده وبعده ، فأخرج منها مأمورا
قُلْنَا اهْبِطُوا
فتقلقل آدم قلقا ، وكاد أن يتمزق حرقا ، وقال : سيدي جرعت مرارة الصدود في الصعود ، فأعذني من حرارة القنوط في الهبوط .
فقيل له : لا بأس عليك حتى تصل إلى مفرق فريقين
فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ
.
فأخذ آدم ذات اليمين ، وأخذ إبليس ذات الشمال ، فكان أصلا لأصحاب الشمال ، لكنهما لما أصطحبا واجتمعا ، فكان للصحبة أثر ، فكان محله من آدم وسيره معه مما يلي شماله « 3 » ، فأثر ذلك على ما
هامش
( 1 ) ردك الشيخ ( رحمه اللّه تعالى ) إلى قواعد علم التوحيد ، فارجع إليها تجد هذه المسألة مبسوطة هناك .
( 2 ) شد طنب خيامه ، الطنب : جمع أطناب . وهو حيال الخباء التي يشد بها .
( 3 ) ولذلك إذا رأى المسلم رؤيا لا تسره ، فإنه يستعيذ باللّه ويتفل عن شماله ، لأنه موقف شيطانه منه ، واللّه تعالى أعلم .