تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعه رسائل ابن عربي — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
ولما جعل في عالم الآخرة جنة ونارا للنعيم والعذاب ، هذه خزانة الخير ، وهذه خزانة الشر ، كذلك جعل الخير الذي هو مكان سويداء القلب ، جعله جنة عبده المؤمن ، لأنه محل المشاهدة والتجلي والمناجاة ، والمنازلات ، ومنبع الأنوار ، وجعل النفس بمنزلة النار ، لأنها منبع الشر ، ومحل الوسواس ، وربع « 1 » الشيطان ومحل الظلمة . ثم جعل اللوح والقلم : نسخة كتاب الكون والتكوين ، وما كان وما يكون إلى يوم الدين ؛ وجعل الملائكة تستنسخ ما يؤمرون بنسخه ، من محو وإثبات ، وموت وحياة ، ونقص وزيادة . فكذلك اللسان بمنزلة القلم ، والصدر بمنزلة اللوح ، فما نطق به اللسان رقمته الأذهان في ألواح الصدور ، وما أرخته إرادة القلب إلى الصدر عبر عنه اللسان ، كالترجمان . ثم جعل الحواس رسل القلب ، يستنسخ ما حصل فيها . فالسمع رسول ، وهو جاسوسه ، والبصر رسول ، وهو حارسه ، واللسان رسول ، وهو ترجمانه . ثم جعل في الإنسان ما هو دلالة على الربوبية ، وتصديق الرسالة المحمدية ، وذلك الهيكل الإنساني ، لما افتقر إلى مدبر ، وهو الروح ، وكان مدبره واحدا ، وكانت الروح غير مرئية ، ولا مكيفة ، ولا متحيزة في شيء من الجسد ، ولا يتحرك شيء من الجسد إلّا بشعورها به ، وإرادتها له ، لا يحس ولا يمس إلّا بها ، وكان ذلك كله دلالة على أن العوالم لا بد لهم من مدبر ومحرك ، ويلزم منه أن يكون واحدا ، عالما بما يحدث في ملكه ، قادرا على حدوثه ، وإنه غير مكيف ، ولا متمثل ، ولا مرئي ، ولا متحيز ولا متبعض ، ولا
هامش
( 1 ) بفتح الراء وسكون الراء : ومحل سكنه .