تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعه رسائل ابن عربي — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
وتارة ينقص ، فابتداؤه صغير ، وهو هلال كإبتداء عقل الصغير في صغره ، ثم يزيد كزيادة القمر ليلة تمامة ثم يبدو بالنقص ، فهو بمنزلة بلوغ الأجل إلى تمام الأربعين ، ثم يعود في النقص في تركيبه وقوته . ثم جعل في السماء كواكب خمسا ، وهي الخمس - الجوار الكنس - وهي بمنزلة الحواس الخمس ، وهي : الذوق ، والشم ، واللمس ، والسمع والبصر . ثم جعل في عالم السماء عرشا وكرسيا . فالعرش أوجده وجعل وجهة قلوب عباده إليه ، ومحل رفع الأيدي إليه ، لا محلا لذاته ، ولا مجانسا لصفاته ، لأن الرحمن تعالى اسمه : الاستواء نعته وصفته ، ونعته وصفته متصلة بذاته ، والعرش خلق من خلقه ، لا متصل به ولا ملامس له ، ولا محمول عليه ، ولا مفتقر إليه . وأما الكرسي فهو : وعاء أسراره ، وكنانة أنواره ومستودع ما في دائرة
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
فجعل الصدر بمنزلة الكرسي ، ولأن فيه تحصيل العلوم الصادرة ، بمنزلة الساحة على باب القلب ، والنفس يشرع منه بابان إليهما . فما صدر عن القلب من خير ، أو عن النفس من شر ، فهو محصل في الصدر ، وعنه يصدر إلى الجوارح ، وهو معنى قوله تعالى :
وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ
. وجعل القلب بمنزلة العرش ، لأن عرشه في السماء معروف ، وعرشه في الأرض مسكون ، لأن عرش القلوب أفضل من عرش السماء ، لأن ذلك العرش لا يسعه ولا يحمله ولا يدركه ، وهذا عرش في كل حين ينظر إليه ، ويتجلى عليه ، وينزل من سماء كرمه إليه « ما وسعني سماواتي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن » « 1 » .
هامش
( 1 ) قد استدل به الغزالي في الإحياء ، وعن المصطفى ( ص ) أنه قال : « إن للّه آنية من أهل الأرض وآنية ربكم : قلوب عباده الصالحين » رواه الطبراني .
مجموعه رسائل ابن عربي — صفحة 327 | ابن عربي