فمن كانت طينته قابلة للتخمير بما سبق في التقدير : بقي معه ذلك التخمير باقيا فيه ، مستصحبا حتى ظهر إلى الحس ، وظهر في تلك الصورة ، فبرز ذلك المعنى محققا لتلك الدعوى ، فأشرق نور ذلك المعنى الروحاني على ما يحاذيه من الجسد الجسماني ، فأشرق الجسد بعد ظلمته ، فاستنارت الجوارح لرشدها فعملت بالطاعة .
وأما من كانت طينته خبيثة ، غير قابلة للتخمير ، وإنما أثرت تلك الخميرة مقدار ما اعترف عند الأشهاد ، وأفصحت في ذلك لإقرار في حال الاستقرار ، ثم طال عليها الأمد ، ففسدت تلك الخميرة بفساد تلك الطينة ، فكأنه كان مستودعا ، فاسترجع منه ما استودع إذ لم يكن لحفظها أهلا ، فهو مستودع - أعني الإيمان - في قلوب الكافرين « 1 » مستقر في قلوب المؤمنين وهو معنى قوله ( ص ) : « كل مولود يولد على الفطرة » « 2 » التي فطر اللّه الناس عليها ، وهو تساويهم في الإيمان ، في قول
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
واستووا في التلبية ، ونطقوا بالإجابة لسريان تلك الخميرة النبوية في أجزاء ذراتهم ، وقد سبق في علم اللّه ونفذ تقديره ، فمن تبقى على ذلك الإقرار : لا يستحيل إلى الجحود والإنكار ، وكل ما يحدث في شجرة الكون ، من نمو وزيادة ، وأزهار وإثمار أفكار ، ومتشابه شوق ، ومحكم ذوق ، وصفاء أسرار ، ونسيم استغفار ، وما ينمو به من الأعمال ، وتزكو به الأحوال ، وما تورق به من رياضات النفوس ، ومناجاة القلوب ، ومنازلات الأسرار ، ومشاهدات الأرواح ، وما ينبت به من أزاهير الحكم ، ولطائف المعارف ، وما يصعد من طيب الأنفاس ، وما يعقد من ورق الإيناس ، وما ينشأ من رياح الارتياح ، وما يبني على أصلها من مراتب أهل الاختصاص ، ومقامات الخواص ، ومنازلات الصديقين ، ومناجاة المقربين ، ومشاهدات المحبين .
هامش
( 1 ) لقوله تعالى :وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ.
( 2 ) رواه الطبراني ، وأبو يعلى ، والترمذي وغيرهم .