وحضرة الأنس ، ستر معنى روحانيته بستر جسمانيته ، وغطى عالم شهوده بعالم وجوده ، فهو مستخرج في الكون ، مستنبط لأجله الكون ، وذلك أن اللّه تعالى كون الأكوان إقتدارا عليها لا إفتقارا إليها ، وكمال حكمته في التكوين ، لأظهار شرف الماء والطين ، فإنه أوجد ما أوجد ، ولم يقل في شيء من ذلك :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
وكان وجود الآدمي ، فكانت حكمته في وجود الآدمي لإظهار شرف النبي ( ص ) ، لأنه حكمة الأجساد لاستخراج كاف الكنزية « كنت كنزا مخفيا لا أعرف » فكان المقصود في الوجود ، معرفة موجدهم سبحانه ، وكان المخصوص بأتم المعارف : قلب سيدنا محمد ( ص ) ، لأن معارف الكل كانت تصديقا وإيمانا ، ومعرفته ( ص ) مشاهدة وعيانا .
وبنور معرفته ( ص ) تعرفوا ، وبفضله عليهم اعترفوا ، فاستخرجه من لباب حبة « كن »
كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ
بصحابته
فَاسْتَغْلَظَ
بقرابته
فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ
بصحة ذوقه وقوة توقه وشوقه .
فلما ظهر هذا الغصن المحمدي ، وسما : أورق عوده ونما ، وأنهل عليه سحاب القبول وهمي ، وتباشر بظهوره الحدثان ، وبشر بوجوده الثقلان ، وتعطرت بقدومه الأكوان ، وانتكست بمولده الأوثان ، ونسخت بمبعثه الأديان ، ونزل بتصديقه القرآن ، واهتزت طربا شجرة الأكوان ، وتحرك ما فيها من الألوان والعيدان ، وكان من أغصان هذه الشجرة : من أخذ ذات الشمال ، ومال يهوي الضلال .
فلما أرسلت رياح الإرسال برسالة
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
استنشقها من
سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى
فمال إليها متعطفا ، وأما من كان مزكوما ، أو من خلع القبول محروما ، فإنه عصفت به عواصف القدرة ، فأصبح بعد نضارته يابسا ، ووجه سعادته عابسا ، وراح من رجاء فلاحه قانطا آيسا .
هامش
- في أنسه وإيناسه ( ص ) في الدنيا والآخرة .