فيحصل بذلك أيضا ضرب من ضروب المناسبة : أتم مما قبله فإذا تأنس الإنسان به كان كالمفارق العالم ، وكالمحيي لرقيقة المناسبة الرابطة من أكثر الوجوه ، بينه وبين الحق ، لتغليب حكم الوحدة الحقية على الكثرة الخلقية « 1 » .
ثم إذا أنتقل من الذكر الظاهر إلى الذكر الباطن ، ونطق به قلبه ، دون تعمل « 2 » - سيما إذا كان نطق القلب بغير الذكر الذي بدأت عليه - كان بعده من صور العالم وأحكامه المختلفة المتكثرة أكثر ، وقربه من الحق الواحد ، ومناسبته معه ، ونسبته إليه أتم « 3 » .
وكلما قويت العزيمة ، وتوفرت الرغبة بحصول الأنس الذي أثمره الفؤاد ، وما ذكرنا : مع جمع الهم الذي هو الأصل الأتم : قويت سلطنة الحق المستجن « 4 » في الإنسان ، وضعفت فيه أحكام الكثرة والإمكان ، فتنور قلب العبد أو انصقل وتصفي ، من حيث صفاته فتجوهر واعتدل لاستقامة سطح مرءاته وتوحد كثرته « 5 » ، كما هو الأمر في المرءاة المحسوسة ، التي أبرزها الحق في بعض الوجوه مثالا
هامش
( 1 ) الحقية بفتح الحاء وتشديد القاف المكسورة : نسبة إلى الحق ، والخلقية : بفتح الخاء وسكون اللام نسبة إلى الخلق ، والمقصود : تغليب جانب الحق على جانب الخلق ، واللّه تعالى أعلم .
( 2 ) أي تشغيل للقلب ، لأنه أصبح سجية له وطبيعة .
( 3 ) أي : لاستواء قلبه ، لأن التقدير : « ونطق به قلبه دون تعمل » : تمّ قلبه ونضج ، لأن الذكر أصبح له طبيعة ، وما بين « تعمل » و « تم » جملة إعتراضية .
( 4 ) والحق المستجن في الإنسان هو : الفطرة التي عبر عنها رسول اللّه ( ص ) بقوله : « يولد المولود على الفطرة ، فأبواه يهودانه ، أو ينصرانه أو يمجسانه » فإذا قوي جانب الفطرة المستجن في كل إنسان : سيطر الحق ، الذي هو الإيمان ، وأصبح الإنسان موحدا كاملا . . . يقول اللّه تبارك وتعالى :وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْهذا واللّه أعلم .
( 5 ) توحد الكثرة هنا : معناه أن الشواغل الكثيرة التي كانت تشغل القلب تبددت ، وأصبح شغله باللّه فقط . والحمد للّه على فضله .